الصفحة 52 من 70

لقد أكلت هذه الحرب شباب العالم الإسلامي، واستنزفت خيرات بلاده، سواء فيما وراء البحار - كما يقولون في أوروبا - في المراحل الأولى من الحرب، أو خلال المعارك الدموية فوق أرض أوروبا ذاتها خلال مراحلها الأخيرة. إن وثائق الحرب في لندن، وباريس، ولاهاي، وروما، وغيرها، خير شاهد على ذلك.

بل دعنا من الوثائق وما فيها، فهذه يمكن إخفاؤها والعبث بها، فلدينا ما هو أقوى من ذلك آلاف المرات ... إنه الواقع الملموس بجميع حواس الإنسان.

لقد نقلت أوروبا صراعاتها الدموية الرهيبة إلى شعوب مستعمراتها وهكذا، نجد إحدى البلاد التي احتلتها إنجلترا سابقًا، وهي مصر، قد اكتوت بنار الحرب العالمية، حرب فرضت عليها فرضًا، فأجبرت على التعرض للخسائر والدمار طيلة سنواتها، ولا تزال تعاني إلى الآن من آثارها التخريبية. ولو جاءت لجنة من دول الاتحاد الأوروبي لتعاين آثار حروبها المدمرة إلى الآن لتقدر تعويضات مناسبة لمصر، وسارت على أرض الساحل الشمالي المصري في منطقة العلمين وما حولها، فلن تعود تلك اللجنة أبدًا .... ستنسفها ألغام الحرب التي زرعها الانجليز والألمان ... تلك الألغام التي يحصد المصريون ثمارها بإزهاق الأنفس كل يوم ... وفي نفس الوقت تحرمهم من زراعة أكثر من 2 مليون فدان، مساحة هائلة يكفي أن نعلم أنها تساوي ثلث مساحة الأرض الزراعية بمصر، فهي مساحة كانت كفيلة بتوفير احتياجاتهم من القمح، ذلك المحصول الاستراتيجي، الذي صار واحدًا من أسلحة الاستعمار الجديد ...

لقد كانت مصر في الماضي مزرعة قمح الرئيسية للإمبراطورية الرومانية الجبارة، فإذا بها الآن تستورده لتأكل ... !

ومع ذلك، فإن صوت القوة الغشوم والاستعلاء المتعصب لا يزال يزعم كل صباح: أنها حضارة حقوق الإنسان ... !

وماذا في أوروبا، بعد انتهاء الحرب؟

ما كان غير الأيدي العاملة الرخيصة والمطيعة من شباب العالم الإسلامي وبقية العالم الثالث، ليقوم بعمليات إعادة بناء أوروبا وتعميرها. فلقد جند هؤلاء واستدعوا من أوطانهم ليحملوا أعباء البناء من أجل السلام، كما حملوا أعباء الحرب والقتال، لقد جاءوا من نيجيريا والسنغال وغينيا ... ومن المغرب والجزائر وتونس ... ومن تركيا وإيران وشبه القارة الهندية والملايو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت