الصفحة 51 من 70

وهكذا تم قتل أو طرد ثلاثة ملايين عربي، كانوا يشكلون النخبة الفكرية والصناعية في أسبانيا. وهكذا انطفأت حضارتهم الوهاجة التي ظلت تشع على أوروبا منذ ثمانية قرون».

ويقول المؤرخ الأمريكي درايبر في كتابه «النمو الثقافي في أوروبا» : «ما أن رسخت أقدام العرب في أسبانيا حتى شرعوا في عملهم الفريد الوضاء. وأصبح خلفاء قرطبة أكبر حماة للعلوم. وأقاموا الدليل على سمو ذوق يتناقض بصورة صارخة مع بدائية الأمراء الأوربيين. وتحت إدارة هؤلاء الخلفاء بلغت قرطبة أوج ازدهارها، فبعد غروب الشمس، يمكن للمرء بها أن يقطع عشرة أميال في شوارع مستقيمة مضاءة بالفوانيس.

وبعد سبع قرون من ذلك لم تكن لندن عرفت بعد الإضاءة العمومية، وكانت شوارع قرطبة مبلطة بطريقة جيدة. وبعد أربعة قرون من ذلك لم يكن الباريسي يستطيع أن يخطو عتبة بيته دون أن يغوص في الوحل إلى كعبه.

إن العرب لم يحملوا معهم إلى أسبانيا: لا الأحقاد الطائفية أو الدينية، ولا محاكم التفتيش، وإنما حملوا معهم أنفس شيئين في العالم، هما أصل عظمة الأمم: السماحة والفلاحة».

(ب) من الحاضر:

منذ خمسين عامًا، اشتعلت الحرب العالمية الثانية ... وهي حرب أوروبية مائة بالمائة، كان حريًا بمن أشعلوها نتيجة طموحاتهم أو أخطائهم، أن يقصروها على شعوبهم وبلدانهم.

لكن دنيا السياسة لا تعرف حقوقًا ولا ترتبط بواجبات. فلقد وضع ميكيافيلي (1469 - 1527) نظريته في أن: الغاية تبرر الوسيلة، فجرد السياسة من الأخلاق. ولا مانع بعد ذلك أن تتردى السياسة إلى السفالة والقهر والإرهاب، فالأمير المرهوب أفضل، عنده، من الأمير المحبوب.

لقد عاصر جيلنا تلك الحرب الضروس، التي امتدت ليكتوي بنيرانها العالم القديم كله. في تلك الأثناء كانت جميع البلدان الإسلامية، عدا بلدًا أو بلدين، خاضعة تمامًا للاستعمار الأوروبي: من المحيط الأطلسي غربًا إلى الأرخبيل الأندونيسي شرقًا. وهذا الاستعمار ظاهرة - كما يقول الدكتور لويس عوض - «اقترنت بالحضارة الغربية الحديثة، وانتهت بنزح ثروات العالم وكنوزه وتكديسها واستغلالها في أوروبا في الإنتاج والخدمات، وفي مزيد من البحث والاقتحام» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت