وكل حضارة ثقافة، وليست كل ثقافة حضارة. فقد عرف الأفارقة والإسكيمو الثقافة، لكنهم لم يعرفوا الحضارة. بينما عرف العرب، في العصور الوسطى، الثقافة والحضارة على حد سواء.
إذًا، فالثقافة تجاوز لما بعد الطبيعة، ونقض لمكوناتها البدائية والوحشية والغريزية. ومن ثم، فهي تتميز بمجموعة من الخصائص كوجود القوانين، والاحتكام إلى العقل والمنطق واللوغوس، وتمثل العدالة، وتأسيس الدولة، وضبط الحرية، والقضاء على العنف والفوضى والصراع وحرب الكل ضد الكل، ووجود دولة المؤسسات، وتنظيم الحياة الجماعية، وتوفير الأمن والاستقرار وحرية التعبير. إذا، فالثقافة طريقة للمعرفة والإدراك وفهم العالم الموضوعي في تفاعل مع الآخر، في بيئة مجتمعية معينة. والثقافة كذلك فعل إنساني رمزي مرتبط بالعقل واللغة والقريحة الذهنية والفكرية، على عكس الحيوان الذي يصدر سلوكيات فطرية وغريزية محضة.
ومن جهة أخرى، يعود التنوع الثقافي إلى تنوع الواقع الاجتماعي؛ وبما أن الواقع يتغير باستمرار ضمن صيرورة جدلية غير متناهية، فالثقافة بدورها تتغير باستمرار. وهذا هو الذي يسهم في الحديث عن التمايز الثقافي، والتنوع الثقافي، والصدام الثقافي، والهوية الثقافية، والخصوصية الثقافية، والصراع بين المركز والهامش ...
وخلاصة القول، إن الثقافة أفكار وأشياء وعلاقات، وهي إدراك للعالم والأشياء فهما وتفسيرا وتأويلا. إن الإنسان يدرك الموضوع المقصود بوعيه عبر الفعل والتفاعل والتبادل الثقافي. ومن ثم، فالمعرفة والإيديولوجيا جزء من الثقافة الإنسانية.