وقال في موضعٍ آخر مخاطبا أبا نعيم: لا يُعبأ بقولك في خصمك للعداوة المشهورة بينكما، كما لا يُعبأ بقوله فيك، فلقد رأيتُ لابن مندة مقالًا في الحطِّ على أبى نعيم من أجل العقيدة أقذع فيه، وكل منهما صدوق غير متَّهم بحمد الله في الحديث [1] .
وقال أيضًا: كان عبد الله بن مندة يُقذع في المقال في أبى نعيم لمكان الاعتقاد المتنازع فيه بين الحنابلة وأصحاب أبي الحسن، ونال أبو نعيم أيضًا من أبي عبد الله في تاريخه، وقد عُرف وهن كلام الأقران المتنافسين بعضهم في بعض نسأل الله - عز وجل - السماح [2] .
وكانت سبب الوحشة بين أبي نعيم وابن مندة: الخلاف المتأجِّج بين العلماء وقتئذٍ حول قضية اللفظ بالقرآن أهو مخلوقٌ أو غير مخلوق؟
وقد صنَّف أبو نعيم في ذلك كتابه في الرد على اللفظية والحلولية ومال فيه إلى جانب النفاة القائلين بأن التلاوة مخلوقة، ومال ابن مندة إلى جانب من يقول: إنها غير مخلوقة، وحكى كلُّ واحدٍ منهما ما يُؤَكِّدُ قوله، ووقع كلٌّ منهما في الآخر بسبب ذلك، غفر الله - عز وجل - لهما وتجاوز عنهما.
المثال الرابع: أحمد بن صالح المصري إمام ثقة، سمع من حرملة بن يحيى الأحاديث التي رواها عن ابن وهب، ولكن حرملة أعطاه نصف سماعه ومنعه النصف.
قال ابن عدي: فتولَّدت بينهما العداوة من هذا [3] .
فكان طالب العلم إذا دخل مصر فبدأ بالسماع من حرملة لم يحدِّثه أحمد ابن صالح للعداوة الواقعة بينهما.
حتى قال عبد الله بن محمد بن سَلْم المقدسي: قدمتُ مصر فبدأتُ بحرملة. ثم ذهبتُ إلى أحمد بن صالح فلم يحدِّثني، فحملتُ كتاب يونس [4] فخرّقته بين يديه أرضيه بذلك، وليتني لم أُخرّقه، فلم يرض ولم يحدِّثني [5] .
(1) تذكرة الحفاظ 3/ 1034.
(2) سير أعلام النبلاء 17/ 462.
(3) الكامل في الضعفاء 2/ 461.
(4) يقصد الكتاب الذي سمعه من حرملة وهو كتاب يونس بن يزيد.
(5) سير أعلام النبلاء 12/ 173، 174.