ربما يختلف القرينان في المذهب، أو في فروع الاعتقاد، أو في غير ذلك، فينشأ عن ذلك عداوة بينهما، وكل واحدٍ منهما يظن صاحبه مخطئًا فيقول فيه، والعداوة إذا وقعت بين اثنين مؤمنين متَّفقين في المذهب والاعتقاد لم يُقبل كلام أحدهما في الآخر، فكيف إذا كانت العداوة بسبب العقائد التي كان من جرّاء الاختلاف فيها: هتك المحارم، وارتكاب العظائم، وسفك الدماء؟ نسأل الله - عز وجل - السلامة.
والحب يتولَّد عنه رضا يجعل الإنسان لا يرى إلا الحسنات، ويغفل عن السيئات، فلا يرى إلا كل خير، ويتأول لما يراه من خطأ أو تقصير، والبغض يجعله لا يرى إلا السيئات، ويغفل عن الحسنات، ويُقَلِّل من قدرها، ويعظم قدر السيئات، فيرى القذاة جذعًا، والفأر جبلًا، وصدق الشاعر إذ يقول:
وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلة = ولكن عين السخط تبدي المساويا
وفي الحديث:"حبك الشيء يعمي ويصم" [1] .
أي يجعلك الحب أعمى عن عيوب المحبوب، أصم عن سماعها، حتى لا تبصر قبيح فعله، ولا تسمع فيه نهي ناصح، بل ترى القبيح منه حسنًا، وتسمع منه الخنا قولًا جميلًا قال الشاعر:
وكذَّبتُ طرفي فيك والطرف صادق ... = ... وأسمعتُ أذني فيك ما ليس تسمع
فالواجب في مثل هذه الحالة: عدم قبول قول بعضهم في بعض، ورد القولين معًا، وقبول كلام المنصفين المعتدلين.
قال الذهبي: لا يُسمع قول الأعداء بعضهم في بعض [2] .
(1) أبو داود كتاب الأدب باب في الهوى 4/ 336 رقم: 5130، وأحمد في مسنده ... 16/ 64 رقم: 21590، وقال الحافظان العراقي وابن حجر: يكفينا سكوت أبي داود عليه فليس بموضوع ولا شديد الضعف فهو حسن، وقال القاري: فالحديث إما صحيح لذاته أو لغيره مرتقٍ عن درجة الحسن لذاته إلى صحة معناه وإن لم يثبت مبناه. راجع: كشف الخفاء للعجلوني 1/ 410 حديث رقم: 1095.
(2) ميزان الاعتدال 2/ 433.