فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 91

ثامنًا: التعصُّب وعدم الإنصاف

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [1] فهذه الآية تُمَثِّل منهجًا دقيقًا يشمل جميع صور القسط والعدل مع القريب والبعيد، وينهى عن جميع صور الجور والظلم مع كلِّ أحد، فالظلم محرمٌ بكل حال، فلا يحل لأحدٍ أن يظلم أحدًا، ولو كان كافرًا [2] .

وقد ضرب الصحابة أروع الأمثلة في العدالة والإنصاف، وعدم الظلم للقريب والبعيد، للحبيب والبغيض، وقد سار المحدِّثون على دربهم، وترسَّموا خطاهم، ومن شذَّ منهم عن ذلك - وهم قليل - فقد أساء إلى نفسه، وجلب لها اللوم والعتاب، وقد ذكرتُ لك من أقوالهم وأفعالهم ما يؤكِّد هذا المعنى ويثبته.

ومن لطائف ما يروى في هذا الباب:

ما رواه سليمان بن يسار قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - إلى خيبر فيخرُصُ بينه وبين يهود خيبر قال: فجمعوا له حُلِيًَّا من حُليِّ نسائهم فقالوا: هذا لك، وخفِّف عنا، وتجاوز في القَسْم، فقال عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه: يا معشر اليهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليَّ، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سُحت لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض [3] .

وفي عصرنا هذا الذي عزَّ فيه الإنصاف، يحتاج فيه الداعية إلى الرجوع إلى منهج المحدِّثين، ليزن الأمور كلها بالميزان القسط، حيث أصبحت الأهواء هي التي تتحكَّم في الآراء والتوجُّهات، حتى إن الإنسان قد يتغاضى عن أخطاء من يحب ـ مهما كانت كبيرة ـ ويزينها، بل تتحوَّل هذه الأخطاء إلى محاسن، ويجعل محبوبه في أعلى المنازل، ولا يقبل فيه نقدًا أو مراجعة!

(1) سورة المائدة الآية: 8.

(2) جامع بيان العلم وفضله صـ: 441.

(3) مالك في الموطأ كتاب المساقاة باب ما جاء في المساقاة صـ: 540، ورواه أحمد في مسنده من طريق جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - 12/ 32 رقم: 14894، وإسناده صحيح، قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح مجمع الزوائد 4/ 121.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت