فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 91

ثانيًا: عيب المُجرِّحَ أو تضعيفه والقسوة في الردِّ عليه

فقد يتكلَّم القرين في قرينه بهوى، أو عصبية، أو غير ذلك مما ذكرنا، فيتصدَّى للردِّ عليه أئمة الجرح والتعديل، وقد يعيبونه بذلك، وقد يضعِّفون أقواله، ويقسون في الردِّ عليه، وقد يحتملون خطأه ويغتفرون زلَّته.

قال ابن عبد البر: ما مثلُ من تكلَّم في مالك والشافعي ونظائرهما من الأئمة إلا كما قال الشاعر الأعشى:

كناطحٍ صخرةً يومًا ليوهنها ... = فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

أو كما قال الحسين بن حميد:

يا ناطح الجبل العالي ليكلمه = أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل [1]

وقال التقي السبكي بعد عرضه لصورٍ من الجرح غير البريء:

فإن قلتَ: فهذا يعود بالجرح على الجارح حيث جرح لا في موضعه

قلتُ: أما من تكلَّم بالهوى ونحوه فلا شكَّ فيه، وأما من تكلَّم بمبلغ ظنِّه فها هنا وقفةٌ محتومةٌ على طالب التحقيقات، ومزلّة تأخذ بأقدام من لا يبرأ عن حوله وقوته، ويكِلُ أمره إلى عالم الخفِيَّات، فنقول: لا شكَّ أن من تكلَّم في إمامٍ استقرَّت في الأذهان عظمته، وتناقلت الرواة ممادحه، فقد جرَّ الملام إلى نفسه، ولكنَّا لا نقضي - أيضًا على من عُرفت عدالته إذا جرح من لا يُقبل منه جرحه إياه - بالفسق بل نُجَوِّز أمورًا:

أحدها: أن يكون واهمًا، ومن ذا الذي لا يهم؟

والثاني: أن يكون مُؤوِّلًا، قد جرح بشيءٍ ظنَّه جارحًا ولا يراه المجروح كذلك، كاختلاف المجتهدين.

والثالث: أن يكون نَقَلَه إليه من يراه هو صادقًا ونراه نحن كاذبًا.

(1) جامع بيان العلم وفضله صـ: 448.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت