فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 91

وهذا لاختلافنا في الجرح والتعديل، فرُبَّ مجروحٍ عند عالمٍ معدَّل عند غيره، فيقع الاختلاف في الاحتجاج حسب الاختلاف في تزكيته، فلم يتعيَّن أن يكون الحامل للجارح على الجرح مجرد التعصُّب والهوى حتى يجرحه بالجرح.

ومعنا أصلان نستصحبهما إلى أن نتيقَّن خلافهما: أصل عدالة الإمام المجروح الذي قد استقرَّت عظمته، وأصل عدالة الجارح الذي ثبتت عدالته، فلا يُلتفت إلى جرحه، ولا نَجْرحه بجرحه، فاحفظ هذا المكان فهو من المهمات [1] .

قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة تعليقًا على هذا الكلام: وقد يكون الجرح لغير الأمور الثلاثة التي جوَّزها المؤلف هنا: كأن يكون لجفاءٍ، أو عداوةٍ بينهما، فيرى الجارح القذاة في مُجَافيه جِذْعًا، والخطأ الخفيف المحتمل كبيرة لا تغتفر، فينفخ في الشعرة إذا استطاع لتكون حبلًا غليظًا، أو جبلًا عريضًا لما بينهما من الكراهة والجفاء [2] .

قلتُ: وقد يكون الجرح لغير ذلك من الأسباب التي ذكرتُها قبل، فيؤدِّي ذلك إلى تنقيص المُتكلِّم، أو الإغضاء عن كلامه، واعتباره من هفواته.

وهذه أمثلة تبيِّن ذلك وتوضِّحه:

المثال الأول: ترجم الذهبي للإمام الشافعي ثم نقل ثناء العلماء عليه ثم قال: وإمامنا بحمد الله ثَبْتٌ في الحديث، حافظٌ لما وعى، عديم الغلط، موصوفٌ بالإتقان، متين الديانة، فمن نال منه بجهلٍ وهوى ممن عُلم أنه منافسٌ له فقد ظلم نفسه، ومقتته العلماء، ولاح لكل حافظٍ تحامله، وجرّ الناس برجله، ومن أثنى عليه، واعترف بإمامته وإتقانه وهم أهل العقد والحل قديمًا وحديثًا، فقد أصابوا وأجملوا وهدوا ووفقوا. ثم قال: وقد كنتُ وقفتُ على بعض كلام المغاربة في الإمام رحمه الله، فكانت فائدتي من ذلك: تضعيف حال من تعرَّض إلى الإمام، ولله الحمد [3] .

ولقد صدق الذهبي، وأيّد التاريخ كلامه، فمن طعن في الإمام الشافعي ونظائره جرّ الكلام إلى نفسه، وعيب واتُّهِم، فقد عرض الذهبي طعن يحيى بن معين في الإمام الشافعي ثم قال:

(1) قاعدة في الجرح والتعديل صـ: 55، 56.

(2) قاعدة في الجرح والتعديل صـ: 55.

(3) سير أعلام النبلاء 10/ 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت