لأن لكل إنسانٍ أحبابًا وأعداءً، وموافقين ومخالفين، ومحبين ومبغضين، وقد جُبِل الإنسان على الكلام في أعدائه ومخالفيه ومبغضيه - إلا من رحم الله - وقلَّما يسلم من ذلك أحد، ولذلك لم يسلم أحدٌ من الكلام والطعن فيه حتى رب العزة - عز وجل - لم يسلم من الكلام فيه، ونسبة ما لا ينبغي إليه قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) [1] .
وقال تعالى: (لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء) [2] .
قال عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني: كنا في مجلس عبد الرحمن بن مهدي، إذ دخل عليه شاب، فما زال حتى أجلسه إلى جنبه. قال: فقام شيخٌ من المجلس فقال: يا أبا سعيد إن هذا الشاب يتكلَّم فيك حتى إنه ليكذبك، فقال ... عبد الرحمن: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [3] ثم قال عبد الرحمن: حدثني أبو عبيدة الناجي قال: كنا في مجلس الحسن البصري إذ قام إليه رجلٌ فقال: يا أبا سعيد إن هاهنا قومًا يحضرون مجلسك ليتتبَّعوا سقط كلامك. فقال الحسن: يا هذا إني أطمعتُ نفسي في جوار الله - عز وجل - فطمعتُ، وأطمعتُ نفسي في الحور العين فطمعتُ، وأطمعتُ نفسي في السلامة من الناس فلم تطمع، إني لما رأيتُ الناس لا يرضون عن خالقهم - عز وجل - علمتُ أنهم لا يرضون عن مخلوقٍ مثلهم [4] .
وقد رُوي أن نبي الله موسى - عليه السلام - قال: يا رب اقطع عني ألسن بني إسرائيل. فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى إذا لم أقطعها عن نفسي فكيف أقطعها عنك؟ [5] .
(1) سورة المائدة الآية: 64.
(2) سورة آل عمران الآية: 181.
(3) سورة فصلت الآية: 34، 35.
(4) تبيين كذب المفتري: صـ: 422.
(5) جامع بيان العلم وفضله صـ: 448.