فقد يطَّلِع الناقد المتأخِّر على قولٍ لبعض المتقدِّمين في أقرانهم، ويخفى عليه سببه، فيقول به، ويُضعِّف روايته لأجله، بينما يطَّلع غيره على علِّة هذا القول، وتوثيق العلماء له، فيحكم بصحة روايته، وهذه الأمثلة تُبيِّن ذلك وتوضِّحه:
المثال الأول: الموقف الذي وقع بين مالك وابن إسحاق أيضًا، ذلك أن محمد بن إسحاق، كان يزعم أن مالكًا من موالي ذي أصبح، وكان مالك يزعم أنه من أنفسهم، فوقع بينهما لهذا مفاوضة، فلما صنف مالك الموطأ، قال ابن إسحاق: ائتونى به، فإني بيطاره، فنقل ذلك إلى مالك فقال: هذا دجال من الدجاجلة، يروي عن اليهود، وكان بينهم ما يكون بين الناس [1] .
فبينما قال الإمام مالك في محمد بن إسحاق: إنه دجَّال من الدجاجلة، نجد شعبة يقول فيه: إنه أمير المؤمنين في الحديث، وشعبة إمامٌ ناقدٌ معتمدٌ لا خلاف في ذلك، وإمامة مالك في الدين معلومةٌ لا تحتاج إلى برهان، فهذان إمامان كبيران، اختلفا في رجلٍ واحدٍ من رواة الحديث، ويتفرَّع على هذا: الاختلاف في صحَّة حديثٍ من رواية ابن إسحاق وفى ضعفه، فإنه قد يجد العالم المتأخِّر عن زمان هذين الإمامين كلام شعبة وتوثيقه لابن إسحاق فيصحِّح حديثًا يكون من رواية ابن إسحاق قائلًا: قد ثبتت الرواية عن إمامٍ من أئمة الدين وهو: شعبة بأن ابن إسحاق حُجَّة في روايته، فهذا خبرٌ رواته ثقات يجب قبوله.
وقد يجد العالم الآخر كلام مالك وقدحه في ابن إسحاق، القدح الذي ليس وراءه وراء، ويرى حديثًا من رواية ابن إسحاق، فيضعِّف الحديث لذلك قائلًا: قد روى لي إمام وهو: مالك، بأن ابن إسحاق غير مرضيِّ الرواية، ولا يساوي فَلْسًا، فيجب رَدُّ خبرٍ فيه ابن إسحاق.
فيتعارض التصحيح والتضعيف، ويحتاج الأمر إلى ترجيحٍ ومعرفة، فإذا عرف الناقد أنه كلامٌ خرج مخرج الغضب الذي لا يخلو عنه البشر، ولا يحفظ لسانه حال حصوله إلا من عصمه الله تعالى، وأنزل كلام مالك على ذلك، أما كلام شعبة ففيه اعتدالٌ وإنصاف، وقد خرج مخرج النصح للمسلمين، وليس له حاملٌ إلا ذلك، وأما الجامد في ذهنه، الأبله في نظره، فإنه يقول: قد
(1) ثقات ابن حبان 7/ 382.