ترتَّب على كلام بعض الثقات في أقرانهم دون بيِّنة: أن يُسلِّط الله - عز وجل - عليه من أقرانه الآخرين من يتكلَّم فيه، ويتَّهمه دون بيَّنةٍ أيضًا، ومن عاب الناس عابوه، ومن افترى افْتُري عليه، وهذا عاجل الجزاء.
وهذه الأمثلة تبيِّن ذلك وتوضِّحه:
المثال الأول: أبو نعيم الأصبهاني إمامٌ جليلٌ ثقة، ولكنه تكلَّم في ابن مندة، وأقذع فيه القول دون بيِّنة، فسلط الله - عز وجل - عليه من تكلَّم فيه أيضًا.
قال الذهبي: أحمد بن عبد الله الحافظ أبو نعيم الأصبهاني أحد الأعلام، صدوق تُكلِّم فيه بلا حجة، ولكن هذه عقوبة من الله - عز وجل - لكلامه في ابن مندة ... بهوى [1] .
المثال الثاني: الشعبي إمامٌ ثقةٌ ناقد، وصف الحارث الأعور بأنه: كذَّاب، فسلَّط الله - عز وجل - عليه من رماه بنفس الداء، وهو منه بريء، لكنه عقوبة من الله - عز وجل - جزاءً وفاقا ً.
عرض ابن عبد البر قول إبراهيم النخعي في الشعبي: ذلك الكذَّاب لم يسمع من مسروق شيئًا، ثم قال:
معاذ الله أن يكون الشعبي كذَّابًا، بل هو إمامٌ جليل، والنخعي مثله جلالة وعلمًا ودينًا، وأظن الشعبي عُوقب بقوله في الحارث الهمداني: حدَّثني الحارث وكان أحد الكذَّابين، ولم يَبِن من الحارث كذب، وإنما نُقِم عليه: إفراطه في حب علىّ - رضي الله عنه -، وتفضيله له على غيره، ومن هنا - والله أعلم - كذَّبه الشعبي، لأن الشعبي يذهب إلى تفضيل أبى بكر - رضي الله عنه -، وإلى أنه أوَّل من أسلم، وتفضيل عمر - رضي الله عنه - [2] .
المثال الثالث: تكلَّم النسائي في أحمد بن صالح المصري تحامُلًا عليه قال السخاوي: أحمد بن صالح هذا تكلَّم في حرملة صاحب الشافعي، فقال ابن عدي: تحامل عليه، وسببه: أن أحمد سمع
(1) ميزان الاعتدال 1/ 111.
(2) جامع بيان العلم وفضله صـ: 439.