فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 91

رابعًا: الجهل بقدر العلماء

وذلك بسبب عدم اللقاء بهم، أو المجالسة لهم، أو المذاكرة معهم، والحكم على الشيء هو فرعٌ عن تصوره، ونقد الراوي يجب أن يُبنى على معرفته، أو نقل كلام الثقات المنصفين الذين يعرفونه.

ولكن المعاصرة حجاب، فقد يخفى قدر المعاصر وشرفه على معاصريه فيتكلم فيه بعضهم، خاصةً إذا لم يجالسوه ويدارسوه، أو سمعوا عنه من حاسديه ومبغضيه فقط، وهذه أمثلة وشواهد تؤكد هذا المعنى:

المثال الأول: حينما تكلَّم يحيى بن معين في الإمام الشافعي علَّق الإمام أحمد بن حنبل على ذلك قائلًا: من أين يعرف يحيى بن معين الشافعي؟ هو لا يعرف الشافعي، ولا يعرف ما يقوله، أو نحو هذا، ومن جهل شيئًا عاداه [1] .

وعلَّق ابن عبد البر على ذلك قائلًا: صدق أحمد بن حنبل رحمه الله إن ابن معين لا يعرف ما يقول الشافعي رحمه الله. ولقد أحسن أكثم بن صيفي رحمه الله في قوله: ويلٌ لعالم أمرٍ من جاهل، ومن جهل شيئًا عاداه، ومن أحب شيئًا استعبده، ثم ذكر قول من صرف كلام ابن معين إلى غير الإمام الشافعي وقال: وهذا كله عندي تخرُّصٌ وتكلُّمٌ على الهوى، وقد صحَّ عن ابن معين من طرقٍ أنه كان يتكلَّم في الشافعي على ما قدَّمتُ لك، حتى نهاه: أحمد بن حنبل رحمه الله ونبَّهه على موضعه من العلم وقال له: لم تر عيناك قط مثل قول الشافعي [2] .

ولذلك تعجَّب الإمام الذهبي ممن تكلًَّم في الإمام الشافعي حتى قال: ما تكلَّم في الشافعي إلا حاسد، أو جاهل بحاله [3] .

وقال في معرض الحديث عنه: من نال منه بجهلٍ وهوى ممن عُلم أنه منافس له فقد ظلم نفسه [4] .

(1) جامع بيان العلم وفضله صـ: 447.

(2) جامع بيان العلم وفضله صـ: 447.

(3) سير أعلام النبلاء 10/ 48.

(4) سير أعلام النبلاء 10/ 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت