فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 91

سابعًا: الخروج عن حدِّ الاعتدال في الجرح والتعديل

الأصل المفهوم من قواعد الدين: صيانة أعراض المسلمين، وحرمة الخوض فيها إلا لضرورةٍ مُلْجِئة، ومصلحةٍ ظاهرة، لأن الجرح بمثابة الميتة للمضطَّر لا يأكل منها إلا ما يُبقيه حيًا دون التفكُّه والتلذُّذ، ولذلك قالوا: التفكُّه بأعراض المسلمين حرام، والأصل فيها العصمة [1] .

ولذلك اشترطوا: أن يكون المجروح من أهل الرواية، وإلا فلا فائدة في جرحه، كما اشترطوا: الاقتصار على الأمور التي تقدح في الراوية فقط، فلا يَسُبُّ أباه ولا أمه ولا نحو ذلك، كما يجب أن يكتفي في الجرح إذا أمكن بالإشارة المُفْهِمَة أو بأدنى تصريح، ولا تجوز له الزيادة على ذلك، كما لا يجوز الجرح بشيئين إذا حصل بواحد، فإن القدح إنما جاز للضرورة فليُقدَّر بقدرها [2] .

وقد حرص العلماء غالبًا على التزام هذه القواعد، ومراعاة هذه الشروط، بل حرصوا فضلًا عن ذلك على: التزام الأدب في اختيار ألفاظ الجرح، حتى قال المزني: سمعني الشافعي يومًا وأنا أقول: فلانٌ كذَّاب فقال لي: يا إبراهيم اكس ألفاظك أحسنها، لا تقل كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء [3] .

جرت عادة العلماء بهذا، إلا أن كلام الأقران الناشئ عن الغضب أو الهوى أو العصبية إلى غير ذلك مما ذكرنا: قد يجر إلى الخشونة في الألفاظ، والخروج عن حد الاعتدال في استخدام الألفاظ، لأنه يخالف قواعد الجرح التي وضعها العلماء، ولذلك حينما حذَّر محمد بن مفلح من كلام الأقران بعضهم في بعض قال: وتناول بعضهم في العرض والنفس، ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة [4] .

وهذه أمثلة تُبَيِّنُ ذلك وتوضِّحُه:

(1) الفروق الفقهية للقرافي 4/ 206.

(2) راجع: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ صـ: 85.

(3) الإعلان بالتوبيخ لمن ذمَّ التاريخ صـ: 86، 87

(4) سير أعلام النبلاء 7/ 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت