المثال الأول: قال أبان العطار: ذُكر يحيى بن أبي كثير عند قتادة فقال قتادة: متى كان العلم في السمَّاكين! فذُكر قتادة عند يحيى فقال يحيى: لا يزال أهل البصرة بشرٍ ما كان فيهم قتادة.
وقد علّق الإمام الذهبي على كلامهما قائلًا: كلام الأقران يُطْوَى ولا يروى، فإن ذُكر تأمله المُحدِّث، فإن وجد له متابعًا وإلا أعرض عنه [1] .
المثال الثاني: من الألفاظ الغربية والعجيبة التي وردت في هذا الباب: ما حكاه الإمام أحمد بن حنبل قال: بلغ ابن أبي ذئب أن مالكًا لم يأخذ بحديث:"البيِّعان بالخيار" [2] فقال: يُستتاب، فإن تاب وإلا ضُربت عنقه، ثم قال أحمد: هو أورع وأَقوَل بالحق من مالك [3] .
قال الذهبي: لو كان ورعًا كما ينبغي لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمامٍ عظيم، فمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث لأنه رآه منسوخًا.
وقيل: عمل به وحمل قوله - صلى الله عليه وسلم:"حتى يتفرَّقا"على: التلفُّظ بالإيجاب والقبول، فمالك في هذا الحديث، وفى كل حديثٍ له أجرٌ ولابد، فإن أصاب ازداد أجرًا آخر، وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاده: الحرورية.
وبكل حال: فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعوَّل عليه كثيرا، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضَعَّف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما رضي الله عنهما [4] .
وهذا الكلام الشديد إنما حمله عليه: المنافسة.
قال الكوثري: كأنه بذلك كفر حتى يُستتاب ويُقتل، ولله في خلقه ... شئون [5] .
(1) سير أعلام النبلاء 5/ 275.
(2) البخاري كتاب البيوع باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا 4/ 362 رقم: 2079، ومسلم كتاب البيوع باب الصدق في البيع والبيان 3/ 1164 رقم: 1532.
(3) العلل ومعرفة الرجال 1/ 193.
(4) سير أعلام النبلاء 7/ 142، 143.
(5) تأنيب الخطيب صـ: 79.