الغضب جمرةٌ من النار، وُضِعَت في قلب ابن آدم، فإذا ثارت أحرقت ضياء العقل، وإذا اشتعلت: أفسدت حكمة القلب ونوره، فإن تمادت بصاحبها أورثت حقدًا وحسدًا.
والغضب كالحب يعمي ويصم، وعندما يغضب الإنسان لا يرى إلا كل سيئ، ولا تَطَّلِعُ عينه إلا على كل قبيح.
والعلماء بشرٌ يرضون فيرون الحسن ويذكرونه، وقد يغضب أحدهم فلا يرى إلا القبيح، وقد يستفزُّهم الغضب فيحملون الأمر على ظاهره السيئ، ويسيئون الرأي في فاعله، وقد يكون له مخرجٌ حسن، وتأويلٌ مقبول، وهذا ينافى الكذب الذي هو مخالفة الحقيقة عمدًا.
عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: اجتمع عند النبي - صلى الله عليه وسلم: قيس بن عاصم، والزبرقان ابن بدر، وعمرو بن الأهتم، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله أنا سيد تميم، المطاع فيهم، والمجاب منهم، آخذ لهم بحقوقهم، وأمنعهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك، يعني عمرو بن الأهتم، فقال عمرو: وإنه لشديد العارضة، مانعٌ لجانبه، مطاعٌ في أدانيه، فقال الزبرقان: والله لقد كذب يا رسول الله، وما يمنعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو: أنا أحسدك! فوالله إنه للئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مبغض في العشيرة، والله يا رسول الله ما كذبتُ فيما قلتُ أوَّلًا، ولقد صدقتُ فيما قلتُ آخرا، لكني رجلٌ رضيتُ فقلتُ أحسن ما علمتُ، وغضبتُ فقلتُ أقبح ما وجدتُ، ولقد صدقتُ في الأمرين جميعًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن من البيان لسحرا" [1] .
ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأل ربه - عز وجل: أن يرزقه قول الحق في الغضب والرضا، ففي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو ربه قائلًا:"وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب" [2] .
ولقد أورد ابن عبد البر بعض ما وقع بين الصحابة وكبار العلماء ثم قال:
(1) الحاكم في المستدرك 3/ 710 رقم: 6568، والطبراني في المعجم الأوسط 7/ 341 رقم: 2185.
(2) النسائي كتاب السهو باب نوعٌ آخر من الدعاء 3/ 55، وأحمد في مسنده 14/ 138 رقم: 18241، والحاكم في المستدرك 1/ 524 وصححه ووافقه الذهبي.