فيُصَوِّرُن الصحابة ومن بعدهم على أنهم طُلاب دنيا، وباحثون عن منصب، يُعطَون فيرضون فيمدحون، ويغضبون فيذُمُّون، وليس لهم منهجٌ علمي في الجرح والتعديل، ينطلقون منه ويبنون عليه إنما هو محض هوى واختلاف دنيا.
يقول أحمد أمين: إن أحكام الناس على الرجال تختلف كل الاختلاف، فبعضهم يُوثِّق رجلًا، وآخر يُكَذِّبُه، والبواعث النفسية على ذلك لا حصر لها، ثم كان المحدِّثون أنفسهم يختلفون في قواعد الجرح والتعديل، فبعضهم يرفض حديث المبتدع مطلقًا كالخارجي والمعتزلي، وبعضهم يقبل روايته في الأحاديث التي لا تتَّصل ببدعته إلى أن قال: وبعض المحدِّثين يتشدَّدون فلا يروي حديث من اتَّصلوا بالولاة ودخلوا في أمر الدنيا مهما كان صدقهم وضبطهم، وبعضهم لا يرى في ذلك بأسًا متى كان عدلًا صادقًا، وبعضهم يتزمَّت فيأخذ على المحدث مزحة مزحها. إلى غير ذلك من أسبابٍ يطولُ شرحها، ومن أجل هذا اختلفوا اختلافًا كبيرًا في الحكم على الأشخاص، وتبع ذلك اختلافهم في صحة روايتهم والأخذ عنهم [1] .
وقال أيضًا: وكان للاختلاف المذهبي أثرٌ في التعديل والتجريح، فأهل السنة يجرحون كثيرًا من الشيعة، حتى إنهم نصُّوا على أنه لا يصح أن يُروى عن علي - رضي الله عنه - ما رواه أصحابه وشيعته، إنما يصِحُّ أن يُروى ما رواه عنه أصحاب عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -، وكذلك كان الشيعة من أهل السنة، فكثيرٌ منهم لا يثق إلا بما رواه الشيعة عن أهل البيت وهكذا، ونشأ عن هذا أن من يُعَدِّلُه قومٌ قد يجرحه آخرون [2] .
وهذا كلام من لم يطَّلِع علي مناهج المحدِّثين في الجرح والتعديل، ولم يُنْزِل هذه المناهج علي واقعهم ليرى مدي صدقهم وإنصافهم ونصحهم لله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ومن المعروف أن لكل منهجٍ علمي وقواعد ضابطة أمورٌ تَشِذُّ عنها، فتُحفظ ولا يُقاس عليها، وليس من المنهج العلمي في شيء أن تُعتبر هذه الأقوال الشاذة - والتي كان الدافع لها احد
(1) ضحى الإسلام 2/ 117، 118.
(2) ضحى الإسلام 2/ 117، 118.