الأسباب التي ذكرناها - مقياسًا يُقاس عليه، وتلغى القاعدة لأجلها، إنه لا يفعل ذلك إلا مريض القلب، مضطَّرب النفس، معوج الفكر، فإن هناك آلافًا من أقوال العلماء خرجت وفق المنهج العلمي الذي اختطُّوه لأنفسهم، وما خرج عن ذلك يكون نادرًا، والنادر لا حكم له.
وكم عانيتُ في هذا البحث من أجل الوقوف علي أقوالٍ لهم تخالف قواعدهم، وناشئة عن سببٍ نفسي خاص، فكنتُ كالباحث عن ماءٍ في الصحراء لا يجده إلا بشقِّ الأنفس، فتيقَّنْتُ من سلامة منهجهم، وندرة أخطائهم، وسلامة مقصدهم، غفر الله - عز وجل - لهم جميعا.
أضف إلى هذا: أن علماء الجرح والتعديل كانوا يعتقدون جيِّدًا أن الأمر أمر دين، فلم تكن للبواعث النفسية أثرٌ في أقوالهم، ولا للمجاملات الشخصية دورٌ في كلامهم، وإنما كانوا يقولون الحق الذي يعتقدونه.
ولا نعني بذلك أنهم معصومون، لا يُخطئون، بل نعني: أن خطأهم قليلٌ مُغْتَفَرْ، وهو معروفٌ نستطيع حصره وتجنبه والحذر منه، فلا مطعن علي المحدِّثين في منهجهم لاتِّباعهم قواعده وضوابطه، وهي شاهدةٌ علي صحة مسلكهم واستقامة طريقتهم.
ولكن هاهنا قضية ينبغي التنبُّه لها وهي: أن ما ورد من بعض الأئمة من الكلام في بعضٍ لا يقدح فيهم، ولا يطعن في صحة منهجهم؛ لأن مثل هذا الكلام نادر الوقوع، والعصمة متعذِّرة للبشر سوي الأنبياء عليهم السلام.
قال ابن دقيق العيد: علي أن الفلتات من الأنفس لا يُدَّعى العصمة منها، وربما حدث غضبٌ لمن هو من أهل التقوى، فبدرت منه بادرةٌ لفظيَّة [1] .
فينبغي أن يُحمل ما جاء عن بعض السلف في بعض -علي قلَّتِه- محمل ما دعا إلي التأويل، واختلاف الاجتهاد، أو الغضب أو غير ذلك مما ذكرنا، كما حمل بعضهم علي بعض بالسيف تأويلًا واجتهادًا، ولا يُؤخذ بظاهر هذه الأقوال، وتعتبر قاعدةً يُقاس عليها، ويبقى الأصل سليمًا؛ لأن مثل هذه النوادر لا تقدح في الأصل، لاسيَّما وقد تتبَّعها العلماء، ووقفوا علي أسبابها، وردُّوها، ولم يُعَوِّلُوا عليها [2] .
(1) راجع: ٍالاقتراح في بيان الاصطلاح لابن دقيق العيد صـ: 342 - 344.
(2) راجع: أصول منهج النقد عند أهل الحديث للدكتور عصام البشير صـ: 106.