فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 91

وفي المقابل تراه إذا أبغض أحدًا ـ لهوىً في نفسه، أو تقليدًا لغيره ـ جرّده من جميع الفضائل، ولم ينظر إلا إلى سيئاته وزلَّاته يضخمها، وينسى أو يتناسى محاسنه الأخرى مهما كانت بيِّنة، بل قد تتحوَّل المحاسن المتَّفق على حسنها إلى سيئات؛ لغلبة الهوى والبغض، والعياذ بالله!

قال الإمام ابن القيم: واللّه تعالى يُحِبُّ الإنصاف، بل هو أفضل حِلية تحلّى بها الرجل، خصوصًا من نَصَّب نفسه حَكَمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) [1] .

فورثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - منصبهم العدل بين الطوائف، وألا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه؛ بل يكون الحق مطلوبه، يسير بسيره، وينْزِل بنزوله، يَدِين العدل والإنصاف، ويُحكِم الحجة، وما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فهو العلم الذي قد شمّر إليه، ومطلوبه الذي يحوم بطلبه عليه، ولا يثني عنانه عنه عذل عاذل، ولا تأخذه فيه لومة لائم، ولا يعيده عنه قول قائل [2] .

ومن لطائف الإنصاف: ذلك الحوار الماتع بين المِسْور بن مخرمة - رضي الله عنه - ومعاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه:

قال الزهري: حدثني عروة أن المِسْور بن مخرمة - رضي الله عنه - أخبره أنه وفَد على معاوية - رضي الله عنه - فقضى حاجته، ثم خلا به، فقال: يامِسْور، ما فعل طعنك على الأئمة؟ قال: دعْنا من هذا وأحسِن، قال: لا واللّه، لتكلِّمَنِّي بذات نفسك بالذي تعيب عليَّ، قال مِسْور - رضي الله عنه: فلم أترك شيئًا أعيبُه عليه إلا بيَّنْتُ له، فقال: لا أبرأ من الذنب، فهل تعُدُّ لنا يا مسور ما نلي من الإصلاح في أمر العامَّة، فإنَّ الحسنة بعشر أمثالها، أم تعُدُّ الذنوب وتترك الإحسان؟ قال: ما تُذْكَرُ إلا الذنوب، قال معاوية - رضي الله عنه: فإنَّا نعترف للّه - عز وجل - بكل ذنبٍ أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوبٌ في خاصتك تخشى بأن تُهْلكك إن لم تُغْفَر؟ قال: نعم، قال: فما يجعلك أحقَّ برجاء المغفرة من الله - عز وجل - مني، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أُخَيَّر بين أمرين، بين الله - عز وجل - وبين غيره، إلا اخترت الله - عز وجل - على ما سواه، وإني على دينٍ يُقْبَلُ فيه العمل، ويُجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله - عز وجل - عنها، قال: فخَصَمَني.

(1) سورة الشورى الآية: 15.

(2) إعلام الموقعين 3/ 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت