فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 91

قال عروة: فلم أسمع المسور - رضي الله عنه - ذكر معاوية - رضي الله عنه - إلا صلَّى عليه [1] .

يا سبحان الله! أرأيتُم كيف أن الإنصاف سببٌ للمِّ الشَّعْث وتقارب القلوب؟

ولذلك قال عمار بن ياسر - رضي الله عنه: ثلاثٌ من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالَم، والإنفاق من الإقتار [2] .

قال ابن عبد البر: من بركة العلم وآدابه: الإنصاف فيه، ومن لم يُنصف لم يفهم ولم يتفهَّم [3] .

وصدق ابن عبد البر، فكم من إمامٍ حمله التعصُّب على عدم الإنصاف فقال قولًا شائنًا بعيدًا عن الفهم والمعرفة.

قال الشيخ عبد العلي اللكنوى: لابد للمزكِّي أن يكون عدلًا، عارفًا بأسباب الجرح والتعديل، وأن يكون منصفًا ناصحًا، لا أن يكون متعصِّبًا ومعجبًا بنفسه، فإنه لا اعتداد بقول المتعصِّب، كما قدح الدارقطنى في الإمام أبى حنيفة بأنه ضعيفٌ في الحديث، وأيُّ شناعةٍ فوق هذا؟ إلى أن قال: والحق أن الأقوال التي صدرت عنهم في حقِّ هذا الإمام الهمام كلها صدرت من التعصُّب ولا تستحق أن يُلتفت إليها، ولا ينطفئ نور الله - عز وجل - بأفواههم فاحفظه [4] .

وفى حقيقة الأمر أن الجارح إنما يدفعه إلى التعصُّب: إما بغض المتكلَّم فيه، أو مخالفته له في العقيدة، أو المذهب، أو سوءُ رأيه فيه، فليس التعصُّب سببًا بذاته، وإنما يدفع إليه غيره.

وأئمة الجرح والتعديل وإن كانوا أئمة الورع والنزاهة، وأعظم الناس إنصافًا؛ إلا أنهم ليسوا معصومين.

وقد يغلب على الظن وقوع الناقد في عدم الإنصاف، إذا لاحت بينهما عداوة، أو اختلاف مذهب.

(1) سير أعلام النبلاء 3/ 150 ــ 151، 391 ــ 392.

(2) البخاري كتاب الإيمان باب إفشاء السلام من الإسلام 1/ 103.

(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1/ 245.

(4) فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت 2/ 154.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت