فهكذا استعان المسلمون بهذا الحاكم العادل رغم كفره، واستغلوا ما عنده من حرص على العدل وعدم الظلم، واستعداده لتوفير الحماية والأمان لهذه العصبة المؤمنة، فكان في ذلك متنفسًا لهؤلاء المضطهدين ومخرجًا لهم مما يجدونه من ويلات وعذابات.
وعندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف مطرودًا مدحورًا صمم أن يعود إلى مكة ليستأنف نشاطه الدعوي، فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم - قريشًا- وقد أخرجوك؟
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أريقط إلى الأخنس بن شريق فطلب منه أن يجيره بمكة فقال: أنا حليف قريش والحليف لا يجير على صميمها.
ثم بعثه إلى سهيل بن عمرو ليجيره فقال: إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب بن لؤي.
فبعثه إلى المطعم بن عدي ليجيره فقال: نعم قل له فليأت.
فذهب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبات عنده تلك الليلة فلما أصبح خرج معه هو وبنوه ستة أو سبعة متقلدي السيوف جميعا فدخلوا المسجد وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: طف واحتبوا بحمائل سيوفهم في المطاف.
فأقبل أبو سفيان إلى مطعم فقال: أمجير أو تابع؟ قال: لا بل مجير، قال: إذًا لا تخفر.
فجلس معه حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه فلما انصرف انصرفوا معه" [1] ."
وهنا نرى كيف استغل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عند المطعم بن عدي من نخوة وشهامة عربية أصيلة فطلب جواره ودخل مكة تحت حمايته رغم أن المطعم رجل كافر مشرك.
ولما أمر الله جل وعلا رسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة إلى المدينة"استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من بني الديل [2] وهو من بني عدي هاديًا خريتًا ـ والخريت: الماهر بالهداية ـ"
(1) تاريخ الطبري (1/ 555) ، والبداية والنهاية (3/ 137) .
(2) قيل هو عبد الله بن أريقط الليثي.