فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 113

لقد كان بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه -وكانوا أهل بيت إسلام- إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: صبرًا آل ياسر موعدكم الجنة. فأما أم عمار سمية فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام [1] .

لقد كان كافيًا في مواجهة هذا التعذيب الوحشي مجرد أن يذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، فلم يعدهم بنصرتهم في الدنيا، ولم يخبرهم حينها أن ذلك العذاب سيرتفع عنهم يومًا ما في الدنيا، بل كان التعويل على إيمانهم بالآخرة فيه غنية عن غيره.

ولم تقتصر تربية الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه على تعليمهم أركان الإيمان الستة، بل اهتم بتصحيح كثير من المفاهيم والتصورات والاعتقادات, وإعطاء فكرة صحيحة شاملة عن الإنسان والحياة والكون، وعلاقة الإنسان بما حوله من مخلوقات, ليسير المسلم على نور من الله, يدرك هدف وجوده في الحياة، ويحقق ما أراد الله منه غاية التحقيق، ويتحرر من الوهم والخرافات.

كما بين حقيقة نشأة الإنسانية وأصولها والمصير بعد الموت، وحقيقة الصراع بين الإنسان والشيطان, الذي حاول إغواء أبيهم آدم عليه السلام.

وهكذا ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة كتاب الله تعالى ويربيهم على التصور الصحيح, في قضايا العقائد, والنظر السليم للكون والحياة من خلال الآيات القرآنية الكريمة، بأسلوب حيوي عملي، لا من خلال مجرد نظريات جامدة لا تسمن ولا تغني من جوع، حتى ارتقت نفوسهم وظهرت ثمرة هذه التربية في كل المجالات، وقد قدمت هذه التربية العقدية على كل شيء آخر، ومن ذلك يفهم قول ابن عمر رضي الله عنهما:"لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن" [2] .

وكذلك قول عائشة رضي الله عنها:"إنما نزل أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر"

(1) انظر: سيرة ابن هشام (2/ 162) ، البداية والنهاية (3/ 59) ، سيرة ابن إسحاق (1/ 169) .

(2) أخرجه الحاكم (1/ 91) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في التلخيص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت