وكانت مولاة خباب بن الأرت تأتي بحديدة محماة فتجعلها على ظهره أو رأسه، ويلقيه المشركون على النار ويسحبونه عليها فلا يطفئها إلا ودك ظهره [1] .
وكان الكفار يمارسون فوق هذا التعذيب الجسدي الوحشي تعذيبًا نفسيًا معنويًا أرادوا به إذلال المؤمنين وقهرهم والفت في عضدهم، فقد كانوا يحاولون إجبار هؤلاء المستضعفين على سب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم- والمجاهرة بالكفر والردة، والإقرار بإلهية الأحجار والأشجار والجعلان.
فعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما وراءك قال: شر يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان قال: إن عادوا فعد [2] .
وعن سعيد بن جبير قال: قلت: لابن عباس: يا أبا عباس أكان المشركون يبلغون من المسلمين في العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ فقال: نعم والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر على أن يستوي جالسًا من شدة الضر الذي به، حتى أنه ليعطيهم ما سألوه من الفتنة وحتى يقولوا: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم وحتى أن الجعل ليمر بهم فيقولون: أهذا الجعل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم افتداء منهم لما يبلغون من جهده [3] .
كما ضربوا على المؤمنين حصارًا اقتصاديًا واجتماعيًا، وتعاهدوا ألا يخالطوهم ولا يناكحوهم ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يبايعوهم وحرصوا على منعهم من كل طعام وميرة تدخل إلى مكة حتى ألجأوا
(1) أسد الغابة (1/ 592) .
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 389) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وانظر: حلية الأولياء (1/ 140) .
(3) سيرة ابن إسحاق (1/ 169) .