المؤمنين إلى أكل اوراق الشجر ورخويات الأرض والجلود وما تعافه النفوس، ولم تؤثر فيهم أصوات النساء والصبيان وهم يتضاغون من شدة الجوع وقد أخذ الجهد منهم مأخذه [1] .
فقد كانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئًا من الطعام لعياله فيقوم أبو لهب عدو الله فيقول: يا معشر التجار: غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئًا فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي فأنا ضامن أن لا خسار عليكم، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافًا حتى يرجع المؤمن إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع وليس في يديه شيء يطعمهم به ويغدو التجار على أبي لهب فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس حتى جهد المؤمنون ومن معهم جوعًا وعريًا.
روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في وصف ما حدث في شعب أبي طالب من شدة ومجاعة: لقد جعت حتى إني وطئت ذات ليلة على شيء رطب فوضعته في فمي وبلعته وما أدري ما هو إلى الآن، وفي رواية أخرى أن سعدًا قال: خرجت ذات ليلة لأبول فسمعت قعقعة تحت البول فإذا قطعة من جلد بعير يابسة فأخذتها وغسلتها ثم أحرقتها ثم رضضتها وسففتها بالماء فقويت بها ثلاثًا [2] .
واستمر ذاك الحصار ثلاث سنوات كاملة عانى فيه الموحدون ويلات الجوع وعذابات الحرمان، حتى نقضت الصحيفة وفك الحصار [3] .
ولذلك كان في أول ما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم:
"يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) ". [المدثر/1 - 7] .
قال عبد الرحمن حبنكة الميداني:"ولما كان هذا الدرس الأول من دروس السورة موجهًا بالدرجة الأولى للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في الآية الثانية منه تكليفه أن يبلغ دين ربه، وأن يقوم"
(1) سيرة ابن إسحاق (1/ 140) ، الروض الأنف (1/ 192) .
(2) الروض الأنف (1/ 192) .
(3) سيرة ابن هشام (1/ 357 - 359) .