فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 113

إن مثل هذه القصص لم تكن تروى عبثًا أو لمجرد الاستمتاع وقتل الوقت، إنما كانت تغرس في نفوس عباد الله المؤمنين تلكم المعاني السامية التي جعلت أحدهم يصيح بأعلى صوته وقد جاءته طعنة غادرة مفاجئة: فزت ورب الكعبة!!

ولذلك عندما أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما وراءك قال: شر يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان قال: إن عادوا فعد. [1]

فطالما أن القلب مطمئن بالإيمان والعقيدة راسخة في النفس، فلا بأس أن يعطى الكفار مجرد ألفاظ ميتة بلا روح ترضي نزعاتهم الصبيانية، ولذلك كان سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: كيف تجد قلبك؟ فلما قال عمار: مطمئن بالإيمان، اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم أن العقيدة راسخة في قلبه وأن هذا التعذيب لا يزعزع ذاك الثبات والاطمئنان القلبي فقال: إن عادوا فعد.

"مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ". [النحل/106] .

إن هذا الثبات يظهر جليًا في مفاوضات كفار قريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم التي حاولوا بها تحويل مسار الدعوة وتفريغها من جوهرها وقدموا من أجل ذلك كل الإغراءات الممكنة، لكن الرد جاء حاسمًا قاطعًا.

فد روى ابن إسحاق أن كفار قريش قد اجتمعوا فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه: أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعًا وهو يظن أن قد بدا لهم في أمره بداء وكان عليهم حريصًا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم فقالوا له: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك وإنا والله ما نعلم رجلًا من

(1) تقدم تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت