غير أن لكم رحمًا سأبُلُّها بِبلاَلها) أي أعطيها حقها من صلة وبر.
فلم يكن من أبي لهب إلا أن واجه النبي صلى الله عليه وسلم بالسوء، وقال: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت:"تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ" [سورة المسد / 1] إلى آخر السورة [1] .
كانت هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ، فقد أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلات بينه وبينهم، وأن عصبة القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتى من عند الله [2] .
ثم نزل قوله تعالى:"فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ" [الحجر / 94] ، فدخلت الدعوة في طور آخر حيث قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالدعوة إلى الإسلام في مجامع المشركين ونواديهم، يتلو عليهم كتاب الله، ويقول لهم ما قاله كل رسول لقومه وكل نبي لأمته:"يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله َ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ" [الأعراف / 59] ، وبدأ يعبد الله تعالى جهرة أمام أعينهم، فكان يصلى بفناء الكعبة نهارًا جهارًا وعلى رءوس الأشهاد.
وقد نالت دعوته مزيدًا من القبول، ودخل الناس في دين الله واحدًا بعد واحد، وحصل بينهم وبين من لم يسلم من أهل بيتهم تباغض وتباعد وعناد واشمأزت قريش من كل ذلك، وساءهم ما كانوا يبصرون [3] .
وبدأت المواجهة تزداد سخونة وقوة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أعداء الدعوة، وبدأت قريش ورجالاتها وأكابرها يشنون حربًا لا هوادة فيها على أهل الإيمان، وانتهجوا في ذلك أساليب شتى:
-تعمدوا السخرية والاستهزاء بالمؤمنين في أشخاصهم وذواتهم وفي دينهم وإيمانهم، وحاولوا التحقير من شأنهم، وقد نال النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك حظًا وافرًا.
(1) انظر: صحيح البخاري (3/ 1012) ، سيرة ابن حبان (1/ 69) ، سيرة ابن إسحاق (1/ 69)
(2) الرحيق المختوم ص 100.
(3) الرحيق المختوم ص 100.