الحمد الله على واسع فضله وسابغ نعمه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - صفوة رسله، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فليس ثمة شك في أن أعظم قربة، وأفضل طاعة يتقرب بها العبد إلى الله من قراءة القرآن الكريم؛ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فقد تعبد الله بها عباده، فقال: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ} [المزمل: 20] ، وحث النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها فقال: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» [رواه مسلم /1910] ، وقد أعدّ الله لقارئ القرآن من الأجر والثواب ما تقر به عينه، وينشرح به صدره كما أخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق؛ له أجران» [رواه مسلم / 1898] . ولكي ينال المسلم الأجر كاملا، ويحظى بالثواب وافيًا، عليه أن يقرأه بالصفة التي أمر الله بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - والتي لا تتحقق إلا بمراعاة أصول القراءة، والمحافظة على أحكام التلاوة المستمدة من قراءة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والتي نقلت إلينا بالتواتر، وثبتت بالأحاديث الصحيحة، ولا تتأتى هذه الصفة إلا بالتلقي، والمشافهة، والأخذ من أفواه المشايخ المتقنين؛ لأن الأصل في هذا العلم هو التلقي، فقد تلقاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل، ثم لقنه الصحابة الكرام بنفس الكيفية التي قرأ بها، وهكذا تواترت هذه الكيفية حتى وصلت إلينا، وقد اصطلح العلماء على تسمية هذه الكيفية التي يقرأ بها القرآن بالتجويد، الذي أصبح علمًا قائمًا بذاته، يبحث في الكلمات القرآنية؛ من حيث إعطاء الحروف حقها ومستحقها، حتى يتمكن القارئ من إجادة القراءة، وحسن الأداء، وحفظ لسانه عن الخطأ في قراءة القرآن الكريم؛ حتى تتحقق له سعادة الدارين، ويحظى برضوان الله عز وجل.
ويجيء هذا الكتاب ليمهد لقارئ القرآن طريق القراءة، ويعبِّد له سبيل التلاوة الصحيحة لكتاب الله، باسطًا القول في مسائل علم التجويد، وجامعًا الأصول والقواعد العامة؛ التي تحكم التلاوة، والآداب، والسلوكيات، التي يلتزم بها عند القراءة، وكل ذلك بأسلوب سهل بسيط، بعيد عن المصطلحات الجافة والشروح المعقدة، التي لا تخاطب إلا المتخصصين في هذا العلم، ويضيع بينها نصيب غير المتخصص؛ الذي يحرص هو الآخر على أن ينال الأجر كاملا، ويحظى بصحبة السفرة الكرام البررة. سيجد الكل في هذا الكتاب بغيته، وينال حظه، وأمنيته؛ لأننا راعينا فيه تبسيط العبارة، وتقريب الإشارة، وأخذنا على أنفسنا - منذ أول حبة نظمناها في عقد التلاوة الفريد - أن نضع قدمي القارئ على طريق التلاوة الصحيحة لكتاب الله، وسبيلنا إلى ذلك أن نوضح ما أبهم، ونفصل ما أجمل، ونفصح عما استعجم، وعلى الله القصد، ومنه الفهم والرشد، وهو الموفق إلى سواء الصراط.