الصفحة 5 من 130

إن أعظم نعمة منَّ الله بها على هذه الأمة أن أنزل عليها القرآن الكريم، كلام رب العالمين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، فيه نبأ ما غبر، وحكم ما حضر، وخبر ما ينتظر، لا تنقضي عجائبه، ولا تتناهى غرائبه، تكفَّل الله بحفظه من التحريف، وتعهد بصونه عن اللحن والتصحيف، فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } [الحجر: 9] . ومن كمال حفظ القرآن؛ أن يُحفَظ نطقه ولفظه عن اللحن والتصحيف، لذا جعل التلقي والمشافهة مناط أخذه، فقد لقنه سيدنا جبريل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشافهة، ثم أقرأه الصحابة - رضوان الله عليهم - بالصفة التي تلقاه بها عن أمين الوحي جبريل، ولقد بلغ من حرص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على إتقان تلاوته، أنه كان يبادر ويستعجل أمين الوحي جبريل قبل أن يفرغ من القراءة، وذلك لشدة حرصه وخوفه من الفوات والنسيان، فنهاه الله عن ذلك، قائلا: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) } [طه: 114] ، وضمن له الحفظ والنسيان فقال: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) } [الأعلى: 6] .

وقال: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) } [القيامة: 17 - 19] ، فكان سيدنا جبريل إذا انتهى من تلاوة ما أوحى الله؛ اتبع النبي ما قرأه، وأقرأه الصحابة، الذين حثهم على تعلم تلاوته وإتقان قراءته، فقال - صلى الله عليه وسلم: «من سَرَّه أن يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم معبد» ، [رواه أحمد في مسنده 1/ 39] ويدل هذا على أن الصفة التي حث الرسول على أن يقرأ القرآن بها، والتي كان يقرأ بها عبد الله بن مسعود، هي: القراءة التي يتحقق فيها حسن الصوت، ودقة الأداء، وجودة الترتيل. ويدل هذا أيضًا على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خص طائفة من أصحابه أتقنوا القراءة حتى صاروا أئمة فيها، ومنهم: عثمان بن عفَّان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم، فأمر بالأخذ عنهم، والتلقي عليهم، إذ كان - صلى الله عليه وسلم - يتعاهدهم بإسماعهم، وإقرائهم تارة كما ورد عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - حيث قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبيّ بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك» قال: آلله سماني لك؟ قال: «الله سماك لي» قال أنس: فجعل يبكي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت