الصفحة 16 من 88

يظهره الله أو أهلك فيه - ما تركته )) ، قال: ثم استعبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبكى ثم قام، فلمَّا ولَّى ناداه أبو طالب فقال: أقبِل يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا [1] .

وقال ابن إسحاق أيضًا [2] :"ثم إن قريشًا اشتدَّ أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومَن أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُفهاءهم فكذَّبوه وآذوه ورموه بالشِّعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُظْهِر لأمر الله لا يستخفي به، مُبادِلُهم بما يكرهون؛ من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إيَّاهم على كفرهم."

وهذا عتبة بن ربيعة يعرض على الرسول - صلى الله عليه وسلم - مطالب قريش فيقول [3] : يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطة [4] في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرَّقت به جماعتهم، وسفَّهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفَّرت به مَن مضى من آبائهم، فاسمع مِنِّي أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( قل يا أبا الوليد ) )، قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا، جعلنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا، سوَّدناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا، ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئيًّا تراه لا تستطيع ردَّه عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوَى منه - أو كما قال له - حتى فرغ عتبة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمع منه قال: (( أقد فرغت يا أبا الوليد؟ ) )، قال: نعم، قال: (( فاسمع مني ) )، قال: أفعل، فقال: (( بِسم الله الرحمن الرحيم {حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 1 - 5] ) )، ثم مضى رسول الله فيها يقرؤها عليه، فلمَّا سمعها منه عتبة، أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السجدة منها فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذلك.

(1) إسناده معضل، يعقوب بن عتبة من أتباع التابعين، وفي الباب عن عقيل بن أبي طالب أخرجه أبو يعلى في"مسنده" (6804) ، والطبراني في"الكبير" (17/ 191 - 192) ، وفي"الأوسط" (8553) وفيه: (( والله ما أنا بأقدر على أن أدع ما بعثت به من أن يشتعل أحدكم هذه الشمس شعلة من نار ) )، واللفظ للأوسط وقال الهيثمي في"المجمع" (6/ 9) :"ورجال أبي يعلى رجال الصحيح"، وقال الحافظ في"المطالب العالية" (4/ 192) :"هذا إسناد صحيح".

(2) "سيرة ابن هشام": ج 1 ص 289.

(3) "سيرة ابن هشام": ج 1 ص 293.

(4) وسط القوم من باب وعد، وسِطَة أيضًا بالكسر؛ أي: توسَّطهم،"مختار الصحاح".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت