وكأنه اطلع على قلب أبي سفيان وعلم ما تنطوي عليه نفسه، والحق أن أبا سفيان كان تأخر إسلامه لعِدَّة عوامل: عدم وضوح الحق له - بالرغم من جلاء الحق - ويمثل ذلك ما قاله عند إسلامه، وأنه قال عندما أُمِر بالنطق بالشهادة أن محمدًا رسول الله قال: إن في النفس من هذه شيء، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى كان حبه للرياسة والشرف قد حجبه عن التبصُّر في الحق، حتى كُتِب له أخيرًا أن ينطق بالشهادتين ويسلم ويجاهد.
ثم إن أبا سفيان وهو حديث عهد بإسلام قد بدرت منه كلمات تدل على أن الإيمان لم يتمكَّن من نفسه بعدُ، ولا ريب أن حديث العهد بالإسلام ليس مثل متقدِّم الإسلام، لا في معرفة الحق، ولا في رسوخ الإيمان.
ولذلك؛ كان السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار لهم من الفضل والثواب والدرجات العُلَى، ما ليس لِمَن بعدهم، حتى لو أنفق أحدهم مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه، ويبين هذا أكثر حديث أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حنين ونحن حُدَثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ) ) [1] .
وقد سمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - مرَّة بعض أصحابه يحلف بغير الله فقال: (( مَن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) ) [2] .
فهذا الذي جهله حُدَثاء عهد بكفر وكانوا جديدين على الإسلام، كان معلومًا للمتقدِّمين إسلامًا فلا يتورَّطون في مثل هذا الخطأ، بل هو من الأشياء المعروفة لديهم.
وأبو سفيان قيل عنه الكثير من الفضل، ورويت عنه كلمات لا تحسن من مثله، وهو ليس معصومًا من الخطأ، بل هو بشر، وحسبه صحبة الرسول فضلًا، والمهم ألا نذكر سيئاته ونهوِّل
(1) أخرجه أحمد (5/ 218) ، والترمذي (2180) من حديث أبي واقد الليثي ? وقال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح".
(2) أخرجه أحمد (1/ 125) ، والترمذي (1535) ، وأبو داود (3251) ، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن".