فيها ونغفل حسناته ومآثره، كما يصنع المؤلف الذي حذا حذو بعض النصارى الذين يشوِّهون تاريخ المسلمين، ويسمون ذلك نقدًا.
ويقول ص 13:"ولقد صوَّرها لنا أبو سفيان صريحة في هذا الذي يرويه البلاذري، وهو ينقل عن المدائني: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعكرمة بن أبي جهل: (( أقاتلتني وأنت تعلم أني رسول الله؟ ) )، قال: لا، وقال لأبي سفيان مثل ذلك فقال: قد علمت أنك صدوق لا تكذب، وإنما قاتلناك لأنك تعلم حالي في قريش، وجئت أمرًا لا يبقى معه شرف، فقاتلناك حمية وكراهة أن يذهب شرفي."
وهكذا أفصح أبو سفيان عمَّا في نفسه وعمَّا في نفس قومه، مما يحمله ويحملونه لهذا البيت الهاشمي، وما أُنسيه أبو سفيان وما أنسيه قومه حين أسلموا، ولكنه اختفى ليَظهر بعده شيء آخر"."
ونحب أن نناقش المؤلف في نقطتين:
الأولى: في سند هذا الحديث ومقدار درجته جودة وضعفًا.
الثانية: في استنتاجه الذي يقسره قسرًا، ويحمل الكلام ما لا يحتمل.
وهو بذلك يوهم أن دعوة الرسول كانت امتدادًا للخلاف الأموي الهاشمي المبالَغ فيه، وكأن الرسول لم يأتِ لتبليغ رسالة الله؛ وإنما قام ليتحمل أعباء الملك الذي ورثه عن آبائه وأجداده! هكذا توهم عبارات المؤلف كما تقدَّم، وكما يقول ص 177:"ووراء المسألة شيء قديم هو هذا الخلاف الأوَّل، بين الأمويين والهاشميين، وقد دخل الهاشميون الدنيا والدين في أيديهم منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم أهله وحفدته ... إلخ".
ولو كان الرسول قد قام بما قام به من أجل إشادة ملك بني هاشم، لكان عمَّاه - أبو لهب وأبو طالب - من أول المؤمنين به، ولكن دعوة الرسول كانت تناقض عقائدهم الشركية وعاداتهم البدعية؛ لذلك كان أبو لهب يتبعه وهو يدعو الناس إلى الإسلام ويقول: لا تصدقوه فإنه صابئ، وعندما نزل قوله - تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشُّعَرَاء: 214] ، ودعا عشيرته الأقربين، وقال: إني نذيركم بين يدي عذاب شديد، قال أبو لهب: تبًّا لك، ألهذا دعوتنا؟! فأنزل الله - تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المَسَد: 1] [1] إلى آخر السورة.
وهكذا استمرَّ أبو لهب في محاربة الدعوة الإسلامية حتى هلك جزعًا؛ لما علم بهزيمة المشركين يوم بدر.
(1) أخرجه البخاري (4770) و (4771) و (4971) ، ومسلم (208) من حديث ابن عباس - رضي الله عنها.