الصفحة 15 من 88

وحرصهم على أن يَكُفَّ عن عيب آلهتهم ما يوضِّح ذلك، وسنورد شيئًا من هذا على سبيل المثال:

قال ابن إسحاق [1] :"فلما بادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قومه بالإسلام، وصدع به كما أمره الله، لم يبعد منه قومه، ولم يردُّوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلمَّا فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته؛ إلا مَن عصم الله - تعالى - منهم بالإسلام، وهم قليل مستخْفُون، وحدب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمُّه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر الله مظهرًا لأمره لا يردُّه عنه شيء، فلمَّا رأتْ قريش أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يُعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأَوْا أن عمَّه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمْه لهم - مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا وعاب ديننا وسفَّه أحلامنا وضلَّل آباءنا، وإمَّا أن تكفَّه عنَّا وإمَّا أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولًا رفيقًا وردَّهم ردًّا جميلًا، فانصرفوا عنه."

ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شَري الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينها، فتذامروا فيه وحضَّ بعضهم بعضًا عليه، ثم إنهم مشَوا إلى أبي طالب مرَّةً أخرى فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك نسبًا وشرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنَّا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتْم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تَكُفَّه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، أو كما قالوا له، ثم انصرفوا عنه، فعظُم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يَطِبْ نفسًا بإسلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا خذلانه، قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: أنه حدث أن قريشًا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا للذي كانوا قالوا له، فأبقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تحمِّلني من الأمر ما لا أطيق، قال: فظنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسْلِمه، وأنه قد ضَعُف عن نصرته والقيام معه، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى

(1) "سيرة ابن هشام": جـ 1 ص 264.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت