الصفحة 14 من 88

قال - تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ * أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 4 - 8] ، وقال - تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البَقَرَة: 170] .

ولما ذهب كفار قريش إلى أبي طالب يشكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقولون: إنه قد عاب آلهتنا وشتم آباءنا وفرَّق جماعتنا، ويعرضون المغريات من أجل أن يكفَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن دعوته، ويبدون استعدادهم لأن يملِّكوه عليهم وأن يجمعوا له من المال حتى يكون أغناهم، وأن يزوِّجوه أجمل بناتهم.

إنهم هنا قد حملهم الجهل، وتصوُّرهم أن ما هم عليه من الشرك والوثنية وإنكار المعاد، وأشباه ذلك من مصائب الجاهلية هو الحق، فهم يدافعون عن معتقدهم الذي خالوه صوابًا، ويصور ذلك قصة سُهَيْل بن عمرو عندما كتب علي - رضي الله عنه - كتاب الصلح بأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية لمُدَّة عشر سنين بين المسلمين والمشركين، وكتب:"هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله وسُهَيل بن عمرو"، اعترض سُهَيل على هذه الفقرة وقال: اكتب محمد بن عبدالله؛ لأنا لو نعلم أنك رسول الله حقًّا لاتبعناك ولم نقاتلك، وعمرو بن العاص الداهية عندما سُئِل عن سبب تأخُّر إسلامه، قال ما معناه: إنه تقليد الآباء؛ حيث كان يظن أن لهم دراية توجب جحدهم نبوة الرسول، فلمَّا استبان له الحق أسلم وأناب، وقصة إسلام عمر، وقد جاء ليفتك بالرسول، فلما علم بإسلام أخته وزوجها دخل عليهما ليعاقبهما، ثم تبين له الحق بعدما سمع القرآن فأسرع إلى الرسول في دار الأرقم لينطق أمامه بالشهادتين، وليكون من أنصار الإسلام.

وبالنسبة لذوي الرياسات والتَّرَف الذين يحاذرون على ما لهم من جاه ومال، ويقاومون دعوة الرسل، فقد أخبر الله عنهم بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلاَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 34 - 35] .

وأخبر عن فرعون وقومه وتكذيبهم لموسى بقوله: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النَّمل: 14] ، ومن هذا القبيل عناد أبي جهل مع استبانة الحق له.

ونكرِّر ما قلناه من أن معاداة قريش للرسول كانت في الدرجة الأولى من أجل العقيدة، وما كانوا عليه من عبادة الأوثان التي كانوا يعتقدونها حقًّا، وفي مواقفهم ومحاوراتهم مع الرسول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت