ويقول الأبياري ص 11:"ويروق لي في أن أتركك لأبي جهل بن هاشم يصوِّر لك ذلك بلسانه؛ لتعرف كيف خالف العرب على محمد - ومنهم الأمويون - وأنهم لم يتنكَّروا لدين وإنما تنكَّروا لسيادة خافوا أن يعلوهم بها الهاشميون".
فأولًا: في هذه الجملة تراكيب ركيكة كقوله:"خالف العرب على محمد"؛ لأن خالف تتعدى بنفسها، وليس بواسطة حرف"على".
وثانيًا: في قوله لأبي جهل بن هاشم غلط؛ لأنه أبو جهل بن هشام، وليس هاشمًا.
وثالثًا: زعمه أن العرب إنما تنكَّروا للإسلام خوفًا أن يعلو به الهاشميون لا تنكرًا للدين، فيه تعميم غير صحيح.
فالصواب أن من العرب مَن أنكره؛ لأنه ظن ما هو عليه من عبادة الأوثان وتقليد الآباء في خُطاهم هو الحق، وهؤلاء هم الأغلبية، ومنهم مَن أنكره لأنه يخالف هواه ورغباته أو يقلل من سيادته ورئاسته، أو حسدًا وهوًى؛ {وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزّخرُف: 31] ، {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا} [الإسراء: 90] ، آيات صورة من التعنُّت والجهل والحسد، تتجلَّى في هذه الأحوال للمشركين، ومن ذلك قول أبي جهل الذي أشار إليه المؤلف ص 12:"حتى إذا ما تحاذَينا جثونا على الرُّكَب وكنا كفرسَي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء!".
فهذا القول من أبي جهل يمثِّل حسده لبني هاشم، ومن الحسد: جحود أمية بن أبي الصلت الثقفي لنبوة الرسول مع علمه بذلك؛ لأنه كان يتطلَّع إلى النبوة ويرشح نفسه لها، فلمَّا لم يكن هو النبي جحد استكبارًا وحسدًا، ومن الحسد جحد اليهود لنبوة الرسول؛ لأنه لم يكن من اليهود مع يقينهم أنه رسول الله حقًّا، وكانوا يستفتحون على المشركين بأن نبيًّا قد أظلَّ زمانه وكانوا يظنُّونه من اليهود، فلما لم يكن منهم جحدوا بغيًا وحسدًا، وقالوا للمشركين: أنتم أهدى سبيلًا من محمد.
ومَن تأمَّل القرآن وسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتاريخ العرب، علم ذلك، فإن أغلبية العرب كذَّبوا الرسول في بدء أمره وحاربوه وآذوه، مع أن أكثريتهم ليست لهم زعامة يخشون عليها، والزعامة إنما هي لقلة منهم.
كما أن معظمهم ليس ثريًّا حتى يتخوف على ماله أن يذهب؛ ولكن هؤلاء كانوا يعتقدون أن ما هم عليه هو الحق مع أنه ضلال وجهل.