صورة حية في معاوية، وأن يكون لهذا البيت المغلوب إرْث البيت الغالب، وأن يتأخَّر بنو هاشم ليتقدم بنو عبدشمس.
ولقد عاش أبو سفيان لا ينسى تلك الخصومة التي ورثها غير مصوَّرة وأورثها ابنه مصوَّرة، عاش قبل أن يسلم ينافس الهاشميين على هذا الشرف الذي حازوه دون أهل بيته، وقد مرَّ بك ما كان على لسانه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاش بعد أن أسلم يسعى لهذا البيت يريد أن يكون له دون الهاشميين.
يحكي البلاذري: أن أبا سفيان كان على صدقة نجران حين قُبِض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: مَن قام بالأمر؟ قيل: أبو بكر، فقال أبو الفصيل: إني لأرى الأمر لا يُسكنه إلا الدم"."
ويقول ص 20:"ويحكون عنه أنهم سمعوه وهو يقول: مخرجه من عند عثمان وهو مكفوف: تلقَّفوها يا بني أمية تلقُّف الكرة، فما الأمر على ما تقولون."
كما حكوا عنه مثل ذلك حين قُبِض النبي - صلى الله عليه وسلم - أرويه كما رواه البلاذري ... فقد رووا له أنه قال: تلقفوها الآن تلقُّف الكرة لا من جنة ولا نار، وهو بهذا قد أذْكى في ابنه شيئًا لو لم يذكِه، لعاش معاوية لا يملك تلك الأسباب التي دخل بها، ولما وجد ما يختلف به على علي بن أبي طالب بعد مقتل عثمان، وما اتخذه ذريعة لأن يناهض به عليًّا.
أقول: لو لم يُلَقَّن معاوية الخصومة عن أبيه، لكان مع مقتل عثمان نفر من المسلمين يرى برأيهم، ولكنه أفاد من تلك الخصومة فتزعَّم بها حيَّه، وإذا الأمر بينه وبين علي ما بين هاشمي وعبشمي، وإذا الدولة له دون علي.
فأنت ترى أن أبا سفيان هو واسطة ذلك العقد الأموي، أخذ من السلف ليعطي الخلف، ووصل حبل الأبناء بحبل الآباء، ولولاه ما انبسطت الأسباب لمعاوية ليتزعَّم حزبه ثم ليؤسس دولة.
ثم إن حياة الأب قد اتَّصلت بحياة الابن فترة طويلة، أملى فيها الأب على الابن واستملى فيها الابن من الأب، لهذا لن يكون ما ذكر عن أبي سفيان خروجًا عن التاريخ لمعاوية بل هو بعضه"."
ويقول ص 53:"وكان في وجوده - أي: وجود أبي سفيان - امتداد للخلاف الهاشمي الأموي، وأراد هو أن لا يخسر الأمويون على يديه، وكان الهاشميون قد كسبوا ميدانًا للشرف يكتب لهم السبق على الأمويين، فأراد أبو سفيان أن يخلق للأمويين ميدانًا يكسب فيه الأمويون شرفًا أكبر".