الصفحة 26 من 88

فقال له الرسول: (( لست له ) )، ثم قام حسان بن ثابت فقال: يا رسول الله ائذن لي فيه، فقال الرسول: (( أنت له ) )، اذهب إلى أبي بكر ليخبرك بمثالب القوم، ثم اهجهم وجبريل معك، فقال حسان في أبي سفيان أبياتًا منها:

أَلاَ أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنَّا = مُغَلْغَلَةً فَقَدْ بَرِحَ الخَفَاءُ

هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وَأَجَبْتُ عَنْهُ = وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ

أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ = فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الفِدَاءُ [1]

ولما خرج الخبرُ إلى أبي سفيان وعبدالله بن أبي أمية بذلك، ومع أبي سفيان ابن له، قال وقد أفضى به اليأس إلى ما بعد اليأس، وليس شيء بعد اليأس إلا أن يستدبر المرء الحياة ويستقبل الطريق إلى الموت، وعلى هذا عزم أبو سفيان: أن يخرج من دنياه بعد أن ضاقت به دنياه، دنيا الرياسة والسيادة التي عاشها والتي سعى لأن يعيشها، ووجد سعيَه قد أخفق فالتفت إلى أم سلمة يقول: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا.

وكأني برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عَلِم أن أبا سفيان سيبَرُّ بيمينه إن لم يأذن له، فأخذته به شفقةٌ ورحمة، وهل قلبٌ كان أكثر شفقة ورحمة على الناس من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواء منهم مَن والاه ومَن عاداه؟! فما كاد الرسول يسمع هذه الكلمة من أبي سفيان حتى أذن له ولصاحبه.

ودخل أبو سفيان ومعه عبدالله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلما.

والذين يروون هذه القصة يروون لأبي سفيان شعرًا يعتذر به عما فرط منه، ويروون له من بين هذا الشعر بيتًا هو:

هَدَانِيَ هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي وَنَالَنِي = مَعَ اللهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ

ويروون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين سمع هذا البيت ضرب في صدره - أعني: صدر أبي سفيان - وقال: أنت طردتني كل مطرد؟! وفي الحق أنها قاسية وكاذبة من أبي سفيان حين قالها، وكريمة نبيلة من رسول الله حين احتملها من أبي سفيان، ولم يفعل غير أن يكذبه فيها بهذا الأسلوب الإنكاري.

وهكذا كان أبو سفيان - كما قلت لك وكما مرَّ بك - حريصًا على أن يكون شيئًا، منه الأخذ وإليه الرد، لا تجري أمور الناس إلا به وعلى يديه.

والذين لا يروون تلك الرواية في إسلام أبي سفيان يروون رواية غيرها فيقولون:

(1) أخرجه مسلم (2490) بمعناه من حديث عائشة - رضي الله عنها - وأخرجه البخاري (3531) مختصرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت