لما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ الظهران، قال العباس بن عبدالمطلب: وا صباح قريش! والله لئن دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة عَنْوة قبل أن يأتوه فيستأمنون، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، وخرج العباس على البيضاء - بغلة لرسول الله - في الطريق إلى مكة؛ لعله يجد بعض الحطابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبر أهلها بمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم عنوة، ويوفر الله على العباس عناءه، فإذا هو يسمع أبا سفيان يحدِّث بديل بن ورقاء، وقد مرَّ بك أنهما خرجَا يتجسَّسان وأبو سفيان يقول لبديل: ما رأيت كالليلة نيرانًا قطُّ ولا عسكرًا، ويقول له بديل: هذه والله خزاعة قد حمشتها الحرب، ويقول أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها أو عسكرها.
ويقول العباس: فعرفت صوته - يعني: صوت أبي سفيان - فقلت: يا أبا حنظلة، وعرف أبو سفيان صوت العباس، فقال: العباس؟ فقال العباس: نعم، فقال أبو سفيان: ما لك فداك أبي وأمي؟ فقال العباس: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس، وا صباح قريش والله، كلمة للعباس هزَّت أركان أبي سفيان وهالته؛ فإذا هو يقول للعباس: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟"."
وبذلك يتَّضح أن المؤلف خلَّط بين أبي سفيان بن الحارث وبين أبي سفيان صخر بن حرب، وظن أن ذلك اختلاف في الرواية لا في الأشخاص والأحداث.
وقد اشتهر أبو سفيان بن الحارث بالشعر، وعدُّوه من الشعراء الذين كانوا يهجون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل إسلامه، ثم أسلم وحسن إسلامه، وصار من المقرَّبين إلى الرسول، وثبت يوم حنين، وقال فيه الرسول:"إني لأرجو أن يكون فيه خلف من حمزة"، أما أبو سفيان بن حرب فلم يُعْرَف بالشعر ولم يكن ممَّن يهجون الرسول، بل كان من زعماء قريش وذوي الشأن فيهم، وقد قاوم الإسلام، وهو قائد المشركين يوم أحد، وأسلم عام الفتح.
قال ابن عبدالبر في"الاستيعاب" [1] في ترجمة حسان بن ثابت:"روينا من حديث عوف الأعرابي وجرير بن حازم عن محمد بن سيرين، ومن حديث السدي عن البراء، ومن حديث سماك بن حرب، وأبي إسحاق - دخل حديث بعضهم على بعض: أن الذين كانوا يهجون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مشركي قريش: عبدالله بن الزبعرى، وأبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب، وعمرو بن العاص، وضرار بن الخطاب، فقال قائل لعلي بن أبي طالب: اهجُ عنا القوم الذين"
(1) ج 1 ص 334 المطبوع بهامش"الإصابة"بمطبعة مصطفى محمد بمصر سنة 1358 هـ.