يهجوننا، فقال: إنْ أذِن لي النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلت، فقالوا: يا رسول الله ائذن له، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إن عليًّا ليس عنده ما يراد في ذلك منه - أو ليس في ذلك هناك ) )، ثم قال: ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟ فقال حسان: أنا لها وأخذ بطرف لسانه وقال: والله ما يسرني به مقول بين بصرى وصنعاء، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمي؟ ) )، فقال: والله لأسلنَّك منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين، فقال له: (( ائت أبا بكر؛ فإنه أعلم بأنساب القوم منك ) ).
فكان يمضي إلى أبي بكر ليَقِفَه على أنسابهم، وكان يقول له: كُفَّ عن فلان وفلان واذكر فلانًا وفلانًا، فجعل حسان يهجوهم، فلمَّا سمعت قريش شعر حسان قالوا: إن هذا الشعر ما غاب عن ابن أبي قحافة، فمن شعر حسان في أبي سفيان بن الحارث:
وَإِنَّ سَنَامَ المَجْدِ فِي آلِ هَاشِمٍ = بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ العَبْدُ
وَمَنْ وَلَدَتْ أَبْنَاءُ زُهْرَةَ مِنْهُمُ = كِرَامٌ وَلَمْ يَقْرُبْ عَجَائِزَكَ المَجْدُ
وَلَسْتُ كَعَبَّاسٍ وَلاَ كَابْنِ أُمِّهِ = وَلَكِنْ لَئِيمٌ لاَ يَقُومُ لَهُ زَنْدُ
وَإِنَّ امْرَأً كَانَتْ سُمَيَّةُ أُمَّهُ = وَسَمْرَاءُ مَغْمُورٌ إِذَا بَلَغَ الجَهْدُ
وَأَنْتَ هَجِينٌ نِيطَ فِي آلِ هَاشِمٍ = كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ
فلما بلغ هذا الشعر أبا سفيان قال: هذا كلام لم يَغِب عنه ابن أبي قحافة.
ومن قول حسان أيضًا في أبي سفيان:
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وَأَجَبْتُ عَنْهُ = وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ
هَجَوْتَ مُطَهَّرًا بَرًّا حَنِيفًا = أَمِينَ اللهِ شِيمَتُهُ الوَفَاءُ
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ = فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي = لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
وهذا الشعر أوله:
عَفَتْ ذَاتُ الأَصَابِعِ فَالجَوَاءُ = إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلاَءُ [1]
قال ابن هشام في"السيرة"ج 2 ص 400 - 405:"قال ابن إسحاق: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب، وعبدالله بن أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا بنيق العُقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، وكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله،"
(1) وانظر القصيدة في"ديوان حسان بن ثابت بشرح البرقوقي"، نشر المكتبة التجارية الكبرى بمصر ص 1 - 10.