الصفحة 51 من 88

فإن هؤلاء يسمَّون"الطلقاء"، فإنهم آمنوا عام فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة قهرًا، وأطلقهم ومنَّ عليهم، وأعطاهم وتألَّفهم، وقد روي أن معاوية بن أبي سفيان أسلم قبل ذلك وهاجر، كما أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة الحجبي قبل فتح مكة وهاجر إلى المدينة، فإن كان هذا صحيحًا فهذا من المهاجرين، وأمَّا إسلامه عام الفتح مع مَن ذكر، فمتَّفق عليه بين العلماء، سواء كان أسلم قبل ذلك أو لم يكن إسلامه إلا عام فتح مكة، ولكن بعض الكذَّابين زعم أنه عيَّر أباه بإسلامه، وهذا كذب بالاتفاق من أهل العلم بالحديث.

وهؤلاء المذكورون من أحسن الناس إسلامًا وأحمدهم سيرة، لم يتَّهموا بسوء، ولم يتَّهمهم أحدٌ من أهل العلم بنفاق كما اتُّهم غيرهم، بل ظهر منهم من حسن الإسلام وطاعة الله ورسوله، وحب الله ورسوله والجهاد في سبيل الله، وحفظ حدود الله - ما دلَّ على حسن إيمانهم الباطن وحسن إسلامهم، ومنهم مَن أمَّره النبي - صلى الله عليه وسلم - واستعمله نائبًا له، كما استعمل عتاب بن أسيد أميرًا على مكة نائبًا له، وكان من خيار المسلمين.

وقد استعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان بن حرب أبا معاوية على نجران نائبًا له، وتوفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو سفيان عامله على نجران.

وكان معاوية أحسن إسلامًا من أبيه باتِّفاق أهل العلم، كما أن أخاه يزيد بن أبي سفيان كان أفضل منه ومن أبيه، وكان يزيد بن أبي سفيان على الشام إلى أن ولي عمر فمات يزيد بن أبي سفيان، فاستعمل عمر معاوية مكان أخيه يزيد، وبقي معاوية على ولايته تمام خلافته، وعمر ورعيَّته تشكره وتشكر سيرته فيهم، وتُوَاليه وتحبه؛ لما رأوه من حلمه وعدله، حتى إنه لم يشكُه منهم مشتكٍ ولا تظلَّمه منهم متظلِّم.

ويزيد بن معاوية ليس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما وُلِد في خلافة عثمان، وإنما سماه يزيد باسم عمه من الصحابة.

وقد شهد معاوية وأخوه يزيد، وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، وغيرهم من مسْلِمة الفتح - مع النبي - صلى الله عليه وسلم - غزوة حنين، ودخلوا في قوله - تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التّوبَة: 26] ، وكانوا من المؤمنين الذين أنزل الله سكينته عليهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم.

وهؤلاء المذكورون دخلوا في قوله - تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحَديد: 10] ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت