الصفحة 50 من 88

قبل الإسلام أذًى للنبي - صلى الله عليه وسلم - لا بيَدٍ ولا بلسان، فإذا كان مَن هو أعظم معاداة للنبي - صلى الله عليه وسلم - من معاوية قد حَسُن إسلامه وصار ممَّن يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فما المانع أن يكون معاوية - رضي الله عنه - كذلك؟! وكان من أحسن الناس سيرة في ولايته، وهو ممن حسن إسلامه، ولولا محاربته لعلي - رضي الله عنه - وتوليه الملك لم يذكره أحد إلا بخير، كما لم يذكر أمثاله إلا بخير، وهؤلاء مسلمة الفتح معاوية ونحوه قد شهدوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عِدَّة غزوات؛ كغزوة حنين، والطائف، وتبوك، فله من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله ما لأمثاله، فكيف يكون هؤلاء كفارًا، وقد صاروا مؤمنين مجاهدين تمام سنة ثمان وتسع وعشر وبعض سنة إحدى عشرة؟! فإن مكة فُتِحت باتِّفاق الناس في شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - باتِّفاق الناس توفي في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة، والناس كلهم كانوا كفارًا قبل إيمانهم بما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان فيهم مَن هو أشد عداوة للنبي - صلى الله عليه وسلم - من معاوية، وأسلم وحَسُن إسلامه؛ كأبي سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب، ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان من أشد الناس بغضًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهجاء له قبل الإسلام.

وأما معاوية - رضي الله عنه - فكان أبوه شديدَ العداوة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك أمه حتى أسلمت فقالت: والله يا رسول الله ما كان على وجه الأرض أهل خباء أحب إلي أن يذلُّوا من أهل خبائك، وما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزُّوا من أهل خبائك؛ أخرجه البخاري [1] .

وفيهم أنزل الله - تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 7] ، فإن الله جعل بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين الذين عادوه - كأبي سفيان وهند وغيرهما - مودة، والله قدير على تبديل العداوة بالمودة، وهو غفور له بتوبتهم من الشرك، رحيم بالمؤمنين وقد صاروا من المؤمنين"."

وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ج 4 ص 453 جواب لسؤال عن إسلام معاوية بن أبي سفيان متى كان؟ وهل كان إيمانه كإيمان غيره أم لا؟ وما قيل فيه غير ذلك، فأجاب:"إيمان معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - ثابت بالنقل المتواتر، وإجماع أهل العلم على ذلك كإيمان أمثاله ممَّن آمن عام فتح مكة مثل: أخيه يزيد بن أبي سفيان، ومثل سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام، وأبي أسيد بن أبي العاص بن أمية، وأمثال هؤلاء."

(1) أخرجه البخاري (3825) معلقًًا مجزومًا، وقال الحافظ"الفتح" (7/ 175) : وقد وصله البيهقي أيضًا من طريق أبو الموجه عن عبدان، اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت