ظلَمَنا عسكرُه كما ظلموا عثمان، وعليٌّ إما عاجز عن العدل علينا أو غير فاعل لذلك، وليس علينا أن نبايع عاجزًا عن العدل علينا ولا تاركًا له.
فأئمَّة السنة يعلمون أنه ما كان القتال مأمورًا به ولا واجبًا ولا مستحبًّا، ولكن يعذرون مَن اجتهد فأخطأ.
وأما قوله:"وكان من المؤلَّفة قلوبهم"، فنعَم وكثير من الطلَقاء، بل كلهم من المؤلفة قلوبهم؛ كالحارث بن هشام، وابن أخيه عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وحكيم بن حزام، وهؤلاء من خِيَار المسلمين والمؤلَّفة قلوبهم غالبهم حَسُن إسلامهم، وكان الرجل منهم يسلِم أول النهار رغبةً منه في الدنيا، فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحب إليه ممَّا طلعت عليه الشمس"."
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في"المنهاج"أيضًا ج 2 ص 214:"وأما قول الرافضي:"وسموه كاتب الوحي ولم يكتب له ولا كلمة واحدة من الوحي، وإنما كان يكتب له رسائل"، وقوله:"إن كُتَّاب الوحي كانوا بضعة عشر أخصهم وأقربهم عليه علي"، ولا ريب أن عليًّا كان ممَّن يكتب له أيضًا كما كتب الصلح بينه وبين المشركين عام الحديبية، ولكن كان يكتب له أبو بكر وعمر أيضًا، ويكتب له زيد بن ثابت بلا ريب؛ ففي الصحيحين أن زيد بن ثابت لما نزلت: {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النِّسَاء: 95] ، كتبها له [1] ، وكتب له أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعامر بن فهيرة وعبدالله بن الأرقم، وأبي بن كعب وثابت بن قيس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسدي وزيد بن ثابت ومعاوية، وشرحبيل بن حسنة - رضي الله عنهم."
وأما قوله:"إن معاوية لم يزل مشركًا مُدَّة كون النبي - صلى الله عليه وسلم - مبعوثًا"، فيقال: لا ريب أن معاوية وأباه وأخاه وغيرهم أسلموا عام فتح مكة قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوٍ من ثلاث سنين، فكيف يكون مشركًا مُدَّة المبعث؟! ومعاوية - رضي الله عنه - كان حين بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - صغيرًا، كانت هند ترقصه، ومعاوية - رضي الله عنه - أسلم مع مسلمة الفتح مثل أخيه يزيد، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي سفيان بن حرب، وهؤلاء كانوا قبل إسلامهم أعظم كفرًا ومحاربة للنبي - صلى الله عليه وسلم - من معاوية؛ فصفوان وعكرمة وأبو سفيان كانوا مقدَّمين للكفار يوم أحد، ورؤوس الأحزاب في غزوة الخندق، ومع هذا كان سهيل وصفوان وعكرمة من أحسن الناس إسلامًا، واستُشْهِدوا - رضي الله عنهم - يوم اليرموك، ومعاوية لم يُعْرَف له
(1) أخرجه البخاري (4592) و (4593) .