ونعلم مع ذلك أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممَّن قاتله معه؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( تمرق مارقةٌ على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق ) ) [1] .
وفي هذا الحديث دليلٌ على أنه مع كل طائفة حق، وأن عليًّا - رضي الله عنه - أقرب إلى الحق.
وأمَّا الذين قعدوا عن القتال في الفتنة؛ كسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وغيرهما - رضي الله عنهم - فاتَّبعوا النصوص التي سمعوها في ذلك عن القتال في الفتنة، وعلى ذلك أكثر أهل الحديث.
وكذلك آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم من الحقوق ما يجب رعايتها، فإن الله جعل لهم حقًّا في الخمس والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لنا: (( قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) )، وآل محمد هم الذين حرمت عليهم الصدقة، هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما من العلماء - رحمهم الله - فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ) ) [2] .
وقد قال الله - تعالى - في كتابه: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزَاب: 33] ، وحرَّم الله عليهم الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس، وقد قال بعض السلف: حبُّ أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق.
وفي المسانيد والسنن: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للعباس لما شكا إليه جفوةَ قوم لهم قال: (( والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي ) ) [3] .
وفي"الصحيح"عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى بني كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم" [4] ، وقد كانت الفتنة لما وقعت بقتل عثمان وافتراق الأمة بعده صار قومٌ ممَّن يحب"
(1) أخرجه البخاري (3370) و (4797) و (6357) ، ومسلم (406) من حديث كعب بن عجرة - رضي الله عنه.
(2) أخرجه البخاري (1491) ، ومسلم (1069) من حديث أبي هريرة ? بنحوه، وفي الباب عن أبي رافع ? أخرجه أحمد (6/ 8 و 10) وأبو داود (1650) ، والترمذي (657) ، والنسائي (5/ 107) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصحَّحه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان.
(3) أخرجه أحمد (1/ 207) وفي سنده يزيد بن أبي زياد؛ قال أحمد:"ليس حديثه بذاك"، وأخرجه ابن ماجة (140) من طريق أخرى، وقال في الزوائد:"رجال إسناده ثقات إلا أنه قيل: رواية محمد بن كعب عن العباس مرسلة"، اهـ.
(4) أخرجه مسلم (2276) .