والزبير، وسعدًا، وعبدالرحمن بن عوف، وقال لهم: انتظروا أخاكم طلحة ثلاثًا، فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم.
ثم نادى ابنه عبدالله بن عمر، وقال له: إن اختلف القوم فكن مع الأكثر، فإن تشاوروا فكن مع الحزب الذي فيه عبدالرحمن بن عوف.
واجتمع أهل الشورى وطلحة غائب، وأمَّروا أبا طلحة أن يحجبهم، وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلس بالباب، فحصبهما سعد وأقامهما وقال لهما: تريدان أن تقولا: حضرنا وكنا في أهل الشورى؟!
وهكذا كان يحرص على أن لا يدخل في هذا الأمر مَن ليس هو من أهل هذا الأمر، فلقد كان القوم ينظرون إلى الخلافة نظرةً عليها مِسْحةً جاهلية، مسحة قَبَلِية، مسحة لا تبعد كثيرًا عمَّا كان عليه القوم في أيامهم الأولى قبل الإسلام، وهذا ما خافه عمر وما حذر منه"."
وكلامنا هنا مثل كلامه في الفقرة السابقة؛ إذ يصف الصحابة الكرام بأنهم ينظرون إلى الخلافة نظرةً جاهلية وقبلية، وما أمر الشورى الذي جرى إلا تكذيب لمزاعمه وتفنيد لأكاذيبه.
ويقول ص 171:"وكان رسول عليٍّ إلى معاوية سبرة الجهني، وفد سبرة على معاوية فحبس معاوية سبرة عنده ولم يُجِبْه بشيء، وكان سبرة كلما تنجَّز معاوية جوابه لم يزد معاوية على أن يقول:"
أَدِمْ إِدَامَةَ حُصٍّ أَوْ خُذَا بِيَدِي = حَرْبًا ضَرُوسًا تَشُبُّ الجَزْلَ وَالفَرَمَا
فِي جَارِكِمْ وَابْنِكُمْ إِذْ كَانَ مَقْتَلُهُ = شَنْعَاءَ شَيَّبَتِ الأَصْدَاغَ وَاللِّمَمَا
أَعْيَا المَسُودَ بِهَا وَالسَّيِّدُونَ فَلَمْ = يُوجَدْ لَنَا غَيْرُنَا مَوْلًى وَلاَ حَكَمَا
وهكذا أراد معاوية - كما قلت لك - أن ينتفع بمقتل عثمان كله، وأنت تراه صريحًا في هذا الشعر الذي استشهد به يحب أن يجعل إليه أمر المطالبة بدم عثمان"."
ويقول ص 173:"أرأيت أنا لم نكن بعيدِين عن الحق حين قلنا: إن معاوية كان يعنيه أن ينتهي الأمر بعثمان إلى ما انتهى إليه، فقد رآه شيخًا هرمًا فانيًا، كما جرى على لسانه وهو يخاطب عليًّا وطلحة والزبير مخرجه من المدينة، وأنه لا عليه من أن يودِّع عثمان الحياة على أية صورة كان هذا التوديع ما دام هو الغانم منها، وكأني به قد أحب أن تكون الصورة التي يخرج بها عثمان من هذه الدنيا هي تلك الصورة المؤلِمة التي خرج عليها عثمان؛ ما دامت هي الصورة التي تتيح لمعاوية أن يكسب الكسْب كله، وأن يغنم الغنم كله".