حقبتين من الزمن، كانت الحقبة الأولى تلك الأعوام التي كان فيها المُلْك للأمويين، وكانت الحقبة الثانية صدْر تلك الأعوام التي كان فيها الملك للعباسيين"."
ولا ندري ما قصد المؤلف من قوله:"أخذ الأمويون الملك من الهاشميين"، وإن كُنَّا نعرف أن النزاع كان بين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وابنه الحسن من جهة، وبين معاوية - رضي الله عنه - من جهة أخرى، وعلي - رضي الله عنه - خليفة راشد، ومُدَّة خلافة الحسن القصيرة (ستة أشهر) امتداد الخلافة الراشدة.
فإذًا؛ كيف يعبّر عن ذلك بأن الأمويين أخذوا الملك من الهاشميين؟!
إن في هذا التعبير إساءة إلى الخليفة الراشد رابع الخلفاء الراشدين، وإلى ابنه الحسن - رضي الله عنهما - وقد دلَّ حديث سفينة - رضي الله عنه - أن مُدَّة الخلافة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثون سنة ثم تكون مُلْكًا.
وبتنازل الحسن رغبةً في حقن دماء المسلمين؛ كانت قد انقضت ثلاثون سنة، ووقع ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قوله عن السبط: (( إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) ) [1] ، وتحقَّقت المعجزة، وصدق رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى.
وإذا كان يقصد أن هاشمًا وعبدالمطلب كانا ملِكَين - كما قد صرَّح به فيما سلف - فذلك غير صحيح، فهما لم يكونا كذلك، وكل ما هنالك أن لهما رياسة وزعامة، وفرق بين الأمرين، لقد عبر المؤلف تعبيرًا غريبًا؛ إذ زعم أن قوم هاشم بن عبدمناف جعلوه ملكًا عليهم وعلى عبدشمس، ولا أدري على أيِّ شيءٍ استند المؤلف في هذا الكلام، ولكن الذي نعرفه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن من أبناء الملوك، وإن كان حسيبًا في قومه، عالي المنزلة، موصوفًا بالأمين.
وفي قصة هرقل مع أبي سفيان وسؤاله: هل في آبائه من مَلِك؟ قال أبو سفيان: لا، قال: هكذا الأنبياء، وقال هرقل معللًا ذلك: إنه لو كان من آبائه ملك لقال: إن الرسول شخص يطالب بملك آبائه.
وفي الصحيحين و"مسند الإمام أحمد"، و"سنن أبي داود"والترمذي، عن عبدالله بن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث كتابه مع دحية الكلبي، وأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدفعه إلى عظيم بصرى؛ ليدفعه إلى قيصر فدفعه عظيم بصرى، وكان قيصر لما كشف الله - عز وجل - عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء على الزرابي تُبْسَط له، فقال عبدالله بن عباس: فلما جاء قيصر كتابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حين قرأه: التمسوا لي من قومه مَن أسأله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ابن عباس: فأخبرني أبو سفيان بن حرب: أنه كان بالشام
(1) أخرجه البخاري (2704) و (3629) و (3746) و (7109) من حديث أبي بكرة - رضي الله عنه.