فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 72

ومن ثم فقد عمل الإسلام على إغلاق الباب المؤدي إلى إيذاء النفس وإفساد العقل وانتشار الرذيلة في المجتمع بشكل نهائي.

فالله تعالى يقول: .. وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ .. (157) [سورة الأعراف: 157] .

4 -مشكلة البطالة:

لقد عمل الإسلام على حلّ هذه المشكلة من خلال حثّه على استخدام كل ما توفر للإنسان من أسباب للعمل والاجتهاد ومحاولة استغلالها استغلالا أمثلا وإن كانت بسيطة وقليلة، وذلك بعد التوكّل على الله تعالى (القدير الرزاق) والثقة واليقين فيه والاعتماد عليه واللجوء إليه ودعاءه بأن يبارك له في ما تيسّر له من أسباب وييسّرها عليه، فالله تعالى يقول:

وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) [سورة إبراهيم: 12]

ولقد حثّ الإسلام الإنسان على أن يعتمد على نفسه (بعد توكله على الله تعالى القدير الرزّاق) وألا يركن وألا يعتمد على غيره، ونموذج ذلك:

روى أصحاب السنن من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه-:"أن رجلا من الأنصار أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله (يطلب منه ليعطيه ويساعده) فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم:"أمَا في بَيْتك شَيء؟"قال: بلى، حِلْسُ (كساء غليظ) نلبس بعضه ونبسُط بعضه وقَعْب (إناء) نشرب فيه الماء، قال - صلى الله عليه وسلم:"ائْتِني بهِما"، فأخذهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال:"مَنْ يشْتَري هَذَيْن؟"قال رجل: أنا آخذهم بدرهم، قال - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ يَزِيد على دِرْهم؟"مرتين أو ثلاثًا، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما - صلى الله عليه وسلم - إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال - صلى الله عليه وسلم:"اشْتَر بأحَدِهما طَعامًا وانْبذه (أعطه) إلى أهْلك، واشْتَر بِالآخَر قَدُوما (فأسا) فائْتِني به .."فشدّ فيه رسول الله عودا بيده ثم قال:"اذهب فاحتطب وَبِعْ .. ولا أرينًّك خمسة عشرة يوما"، فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاءه وقد أصاب دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما، فقال - صلى الله عليه وسلم:"هذا خَيْرٌ لَك .." [رواه أبو داود] ."

ومن ذلك الحديث النبوي الشريف يتبيّن كيف عمل النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - على مساعدة هذا الرجل بطريقة نموذجية فعّالة، حيث قام - صلى الله عليه وسلم - بتحويل ذلك الرجل من سائل قد يَظلُّ طلبه من الناس متكررا (نظرا لاحتياجه وعدم عملِه في أي مِهْنة تكون سببا في جَلْب الرزق له) إلى عامل منتج يبيع ويشتري ولا يحتاج إلى مساعدة الناس بعد ذلك، وذلك بعد أن اختار له - صلى الله عليه وسلم - مشروعا مناسبا يلائم ظروفه المادية والبدنية والعقلية، ومن ثم لا يكون الرجل عِبْئا على المجتمع بعد ذلك، بل يكون عنصرا فعّالا فيه مفيدا له يقتدي الناس به.

ولقد قال النبي محمد - صلى الله عليه وسلم:"لأَنْ يأخُذْ أحَدُكم حَبْلَه فيأتي بِحِزمة الحَطَب على ظَهْره فيبيعها فيَكُفّ الله بها وَجْهَه خَيْر له مِنْ أن يسْأل النَّاس أعْطُوه أو مَنَعُوه" [رواه البخاري] .

فمع التوكل على الله تعالى والمداومة على العمل البسيط الذي توفّر للإنسان وإتقانه والجدّية في الأخذ بأسبابه فإن الله تبارك وتعالى يبارك في هذا العمل البسيط وينمّيه ويجعل منه الرزق الطيب الواسع، ليس ذلك فحسب بل إن الله تبارك وتعالى يكافئ هذا الإنسان بأن يحبه ويرضى عنه ويدخله جنته ودار نعيمه بعد مماته (يوم القيامة) ، ويوضح ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت