دين الأنبياء واحد وهو الإسلام، وشرائعهم مختلفة، فموسى عليه الصلاة والسلام بعثه الله بالعدل، وعيسى عليه الصلاة والسلام بعثه الله بتكميل شريعة موسى بالفضل، ومحمد عليه الصلاة والسلام جمع الله له في شريعته بين العدل والفضل، جاء موسى بالجلال، وعيسى بالجمال، ومحمد بالكمال الجامع بين الجلال والجمال.
وقد جعل الله أمة محمد خير أمة أخرجت للناس، فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله من جميع الأجناس، هداهم الله بكتابه ورسوله لما اختلفوا فيه من الحق قبلهم، وجعلهم وسطا عدلا خيارا، فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته، وفي الإيمان برسله، وكتبه، وشرائع دينه من الأمر، والنهي، والحلال، والحرام، فأمرهم بالمعروف، ونهاهم عن المنكر، وأحل لهم الطيبات، وحرم عليهم الخبائث، ولم يُحرِّم عليهم شيئا من الطيبات كما حرَّم على اليهود الإبل والشحوم، ولم يُحِل لهم شيئا من الخبائث كما استحلَّت النصارى الخنزير.
ولم يُضيِّق عليهم باب الطهارة والنجاسة كما ضيَّق على اليهود، وقد كان اليهود لا يرون إزالة النجاسة بالماء، بل إذا أصاب ثوب أحدهم نجاسة قرضه بالمقراض، ولم يرفع عنهم طهارة الحدث والخبث كما رفعته النصارى، فلا يوجبون الطهارة من الجنابة ولا الوضوء للصلاة، ولا يجتنبون النجاسة في الصلاة، بل ليس عندهم شيء نجس يحرم أكله أو تحرم الصلاة معه.
واليهود يبالغون في طهارة أبدانهم مع خبث قلوبهم، والنصارى يدَّعون أنهم يُطهِّرون قلوبهم مع نجاسة أبدانهم، والمسلمون يُطهِّرون أبدانهم وقلوبهم جميعا.
واليهود إذا حاضت عندهم المرأة، لا يؤاكلونها، ولا يشاربونها، ولا يقعدون معها في بيت واحد، والنصارى لا يحرمون وطء الحائض، والمسلمون يصنعون معها كل شيء إلا الجماع.
وكذلك المسلمون وسط في الشريعة ; فلم يجحدوا شرع الله الناسخ لأجل شرعه المنسوخ كما فعلت اليهود، حيث لم يؤمن اليهود بشرعة عيسى الذي جاء بنسخ بعض أحكام التوراة، ثم لم يؤمنوا بمحمد الذي نسخ الله بشريعته التوراة والإنجيل، ولا غيّروا شيئا من شرعه المحكم، ولا ابتدعوا شرعا لم يأذن به الله كما فعلت النصارى، وذلك أن دين النصارى الباطل إنما هو دين مبتدع، ابتدعوه بعد المسيح عليه السلام، وغيروا به دين المسيح، ثم لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كفروا به فصار كفرهم وضلالهم من هذين الوجهين: تبديل دين عيسى، وتكذيب الرسول محمد، كما كان كفر اليهود بتبديلهم أحكام التوراة قبل مبعث المسيح، ثم تكذيبهم