سيحفظ القرآن من التحريف والزيادة والنقصان فوقع كما أخبر، فما قدر أحد من الكفار أن يحرف شيئًا من القرآن الكريم إلى هذا الزمان، لا آية من آياته، ولا كلمة من كلماته، ولا حتى حركة من حركات إعرابه، فقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يأتيه جبريل عليه السلام بالقرآن الكريم شيئًا بعد شيء لمدة ثلاثة وعشرين عامًا، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يحفظ ما يسمعه من الملَك جبريل ولا ينساه، ثم يقرؤه على أصحابه ويأمرهم بكتابته، ويحفظه غيبا كثير منهم، ويسمعون النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤه في صلواته الجهرية يوميًا، ويُعلِّم أصحابه آياته، ويُعلِّم من حفظ منهم غيرهم، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم وفَّق الله الصحابة فكتبوا القرآن الكريم في مصحف واحد، وكان حفاظه حينئذ كثيرين ويحفظونه بإتقان، ويستطيع كثير منهم أن يمليه من أوله إلى آخره غيبًا، ولكنهم لشدة تحريهم اجتهدوا أن لا يكتبوا شيئًا من القرآن إلا من تلك المكتوبات التي كُتبت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، فجمعوه كاملًا كما أنزله الله، واجتهدوا في تعليمه للتابعين كما كان يقرؤه رسول الله، وتناقله المسلمون جيلًا بعد جيل بالتواتر إلى أن وصل إلينا بلا زيادة ولا نقصان، والحمد لله رب العالمين.
الدليل الرابع: ما أخبر الله في القرآن من أخبار القرون السالفة والأمم الهالكة، وقد عُلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، بل عاش بين قوم كانوا أميين يعبدون الأصنام، ولا يعرفون الكتاب، قال الله تعالى: (( وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ) ) [العنكبوت:48 - 49] .
الدليل الخامس: ما فيه من كشف أسرار المنافقين مع كونهم كانوا يجتهدون في إخفائها، ولكن الله كان يُطلع نبيه على أحوالهم وأقوالهم، وكذا ما فيه من كشف حال اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، بل والإخبار عما في ضمائرهم.
الدليل السادس: جمعه لمعارف وعلوم لم تعهدها العرب عامة ولا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة من علم الشرائع والمواعظ والحِكَم وأخبار الدار الآخرة ومحاسن الآداب والأخلاق.
الدليل السابع: كونه سليما من الاختلاف والتناقض: (( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ) ) [النساء:82] .
الدليل الثامن: كونه معجزة باقية متلوة مع تكفل الله بحفظه بخلاف معجزات الأنبياء، فإنها