فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 117

أمره الله به وما نهاه عنه بأي لغة كانت، ولهذا دخل في الإسلام جميع أصناف الأمم من غير العرب.

وأما قوله تعالى: (( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ) [يوسف:2] فهذا يتضمن إنعام الله على عباده; لأن اللغة العربية من أيسر اللغات تعلما وأسهلها إتقانا، وهي أكمل الألسنة وأحسنها بيانا للمعاني، فنزول الكتاب بها أعظم نعمة على الخلق من نزوله بغيرها، وقد خوطب بالقرآن العرب أولا ليفهموه ثم من يعلم لغتهم يفهمه كما فهموه ثم من لم يعلم لغتهم يترجمه له من عرف لغتهم، وكانت إقامة الحجة به على العرب أولا والإنعام به عليهم أولا لمعرفتهم بمعانيه قبل أن يعرفه غيرهم.

وليس في هذا أن النبي محمدا لم يُرسل إلى غيرهم لكن إذا تبين القرآن لقومه العرب لكونه بلسانهم أمكن بعد هذا أن يعرفه غير قومه إما بتعلمه بالعربية وإما بالترجمة لمعانيه، والكاتب يكتب كتاب علم في الطب أو الحساب بلسان قومه ثم يُترجم ذلك الكتاب ويُنقل إلى لغات أخر وينتفع به أقوام آخرون وإن كان المصنف إنما صنف الكتاب بلسان قومه أولا، وإذا كان هذا واقعا في أمور الدنيا فكيف يمتنع في العلوم التي يتعلق بها سعادة الآخرة والنجاة من العذاب؟!

وكيف يمتنع أن يأمر الله العباد بالخير وينهاهم عن الشر بلغة يبين بعض المسلمين معناها لهم وفي ذلك صلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة؟!

ولو جاءت رسالة من ملك إلى ملك بغير لسانه لطلب من يترجم مقصود الملك المرسِل ولم يجز أن يقول: أنت لم تبعث إلي من يخاطبني بلغتي مع قدرته على أن يفهم مراده بالترجمة، فكيف يجوز أن يقال ذلك لرب العالمين؟!

فليس لأحد ممن أُرسل إليه رسول وهو قادر على معرفة ما أُرسل به إليه بالترجمة أو غير الترجمة أن يمتنع من شرع الله الذي أنزله لكون لغة الرسول غير لغته مع قدرته على أن يعرف مراده بطرق متعددة.

والناس في مصالح دنياهم يتوسل أحدهم إلى معرفة مراد الآخر بالترجمة وغيرها فيتبايعون وبينهم ترجمان يبلغ بعضهم عن بعض، ويتراسلون في عمارة بلادهم وأغراض نفوسهم بالمترجمين الذين يترجمون لهم، وأمر الدين أعظم من أمر الدنيا عند أولي العقول.

وأختم هذا الفصل بقول الله تعالى: (( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت