وهل من حكمة الله أن يُرسِل خاتم النبيين إلى العرب خاصة ويترك غيرهم في الظلمات ولا يُرسل إليهم من يهديهم لا سيما اليهد والنصارى الذين بدَّلوا دين أنبيائهم وحرفوا كتب الله التي أنزلها إليهم؟!
وأما كون القرآن أُنزل باللسان العربي وحده فعنه أجوبة:
أحدها: أن يقال: والتوراة إنما أُنزلت باللسان العبري وحده، وموسى عليه السلام لم يكن يتكلم إلا بالعبرية، وكذلك المسيح لم يكن يتكلم بالتوراة والإنجيل وغيرهما إلا بالعبرية، وكذلك سائر الكتب لا ينزلها الله إلا بلسان واحد بلسان الذي أُنزلت عليه ولسان قومه الذين يخاطبهم أولا، ثم بعد ذلك تبلَّغ الكتب إما بالترجمة لمن لا يعرف لغة ذلك الكتاب، وإما بأن يتعلَّم الناس لغة ذلك الكتاب فيعرفون معانيه، وإما بأن يُبيَّن للمرسَل إليهم معاني ما أُرسل به الرسول وإن لم يعرفوا سائر ما أُرسل به.
وأكثر الناس لا يعرفون معاني الكتب الإلهية: التوراة والإنجيل والقرآن إلا بمن يبينها ويفسرها لهم وإن كانوا يعرفون اللغة، والله يقول: (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) ) [إبراهيم:4] ، فإذا بين لقومه ما أراده حصل بذلك المقصود لهم ولغيرهم، فإن قومه الذين بلَّغ إليهم أولا يمكنهم أن يبلغوا عنه اللفظ ويمكنهم أن ينقلوا عنه المعنى لمن لا يعرف اللغة ويمكن لغيرهم أن يتعلم منهم لسانه فيعرف مراده، فالحجة تقوم على الخلق ويحصل لهم الهدى بما يُنقل عن الرسول باللفظ أو المعنى، وشرط التكليف تمكُّن العباد من فهم ما أُرسل به الرسول إليهم سواء عرفوا لغته أو لم يعرفوها.
وقد كان العارفون باللغة العربية حين بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم إنما يوجدون في جزيرة العرب وما والاها كأرض الحجاز واليمن وبعض الشام والعراق ثم انتشر الإسلام فصار أكثر الساكنين في وسط المعمورة يتكلمون العربية، حتى اليهود والنصارى الموجودون في وسط الأرض يتكلمون بالعربية كما يتكلم بها أكثر المسلمين، بل كثير من اليهود والنصارى يتكلمون بالعربية أجود مما يتكلم بها كثير من المسلمين.
ويمكن للإنسان أن يعرف ما أمره الله به وإن لم يعرف اللغة العربية، ويكفيه أن يقرأ فاتحة الكتاب وسورا معها يصلي بهن، وكثير من الفرس والروم والترك والهند والصين والبربر والحبشة والزنج وغيرهم لا يعرفون أن يتكلموا بالعربية الكلام المعتاد وقد أسلموا وصاروا من أولياء الله المتقين، وليس فهم كل آية من القرآن واجب على كل مسلم، وإنما يجب على المسلم أن يعلم ما