من بينهم بكتاب منير وشريعة كاملة شاملة، فقام مع ضعفه وفقره وقلة أعوانه يدعو الناس إلى عبادة الله وحده، وإلى قبول شريعة الله التي ارتضاها لعباده، مخالفًا لجميع أهل الأرض من الأقارب والأباعد والملوك والرعية واليهود والنصارى، فقام يدعو الله، وقال: إني رسول الله، وضلّل آراءهم، وأبطل مللهم، وصبر على أذيتهم، وبلّغ رسالة الله التي أرسله بها ولم يخش لومة لائم، فأظهر الله دينه على جميع الأديان في مدة قليلة شرقًا وغربًا، ولا يزال مستمرًا على مر الأعصار والأزمان، ولم يقدر أعداؤه مع كثرة عددهم وعُددهم وشدة شوكتهم وفرط تعصبهم وبذل غاية جهدهم إطفاء نور دينه، فهل يكون ذلك إلا بعونٍ من الله الذي أرسله؟! قال الله سبحانه: (( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هو الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ) [الصف:8 - 9] .
5 -ومن الأدلة على نبوته أنه ظهر في وقت كان الناس في أمس الحاجة إلى من يهديهم إلى الصراط المستقيم، ويدعوهم إلى دين الله القويم؛ لأن العرب كانوا على عبادة الأوثان ووأد البنات، والفرس على اعتقاد الإلهية وعبادة النار ووطء الأمهات والبنات، والترك على تخريب البلاد وتعذيب العباد، والهند على عبادة البقر والسجود للشجر والحجر، واليهود على الجحود وتشبيه الخالق بالمخلوق وترويج الأكاذيب والزور، والنصارى على القول بالتثليث وعبادة الصليب والضلال المبين، وهكذا سائر العالم كانوا في الظلمات يخبطون، وبالباطل يشتغلون، ولا يليق بحكمة الله الرحمن الرحيم الحكيم إلا أن يُرسل رسولًا يكون رحمة للعالمين، قال الله: (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) ) [الأنبياء:107] ، وقال: (( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) ) [إبراهيم:1] .
6 -ومن الأدلة على نبوته إخبار الأنبياء المتقدمين عليه عن نبوته، وتبشيرهم بمجيئه.
فإن أنبياء بني إسرائيل - كما في الكتب المقدسة - أخبروا عن الحوادث الآتية كحادثة بختنصر وقورش وإسكندر وحوادث مصر وبابل، ويبعد كل البعد أن لا يخبر أحد منهم عن بعثة محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، فكيف يخبروا عن الحوادث الأخرى التي هي أقل أهمية ولا يخبروا عن هذه الحادثة العظيمة؟!
ولا يشترط في إخبار النبي المتقدم عن النبي المتأخر أن يخبر عنه بالتفصيل التام، بل يكون هذا الإخبار غالبًا مجملًا عند العوام، وأما عند العلماء الراسخين فقد يصير جليًا بواسطة القرائن، وقد يبقى خفيًا عليهم أيضًا لا يعرفون مصداقه حتى يذكر النبي اللاحق أن النبي المتقدم بشر به،