فهرس الكتاب
ومن ثم، تعد الترجمة أهم مثال حي يعبر عن نظرية الأنساق المتعددة. فعن طريق الترجمة، تتجاور الأنساق وتتحاور وتتواصل وتتفاعل في علاقتها بسياقاتها التاريخية والثقافية. وقد قامت الترجمة بدور هام في نقل النظريات والمدارس والتيارات الأدبية من نسق لغوي أجنبي نحو نسق لغوي مستورد، بهدف الانفتاح على المستجدات في مجال الأدب، والاطلاع على حضارات الشعوب المجاورة. وقد رأينا كيف ترجم النهضويون التراثين: اليوناني والروماني، وما تركته الترجمة الألمانية لإنجيل لوثر من تأثير كبير في تطور اللغة الألمانية. ويعني هذا أن الترجمة تسهم في إثراء الثقافة المحلية والوطنية والكونية استيرادا أو تصديرا.
وقد كانت للعلاقات الاقتصادية، وتطور وسائل الإعلام، منذ منتصف القرن العشرين، دور كبير في إغناء الترجمة كما وكيفا، كما تثبت ذلك إحصائيات اليونيسكو بشكل واضح وجلي. وتعكس الترجمة- حسب نظرية الأنساق المتعددة- تطور اللغات المهيمنة والمسيطرة مقارنة باللغات المهيمن عليها، فترجمة الأعمال الغربية من اللغات الأجنبية الأوروبية، مثل: الفرنسية، والألمانية، والإنجلزية ... إلى لغات الهامش أو المحيط، لتعبير صادق عن تفاوت حاد بين الأنساق اللغوية والتاريخية والاقتصادية والاجتماعية. ومن ثم، فهناك تقليد دائم للغالب من قبل المغلوب كما يرى ابن خلدون. فهناك ثقافة غربية مركزية مسيطرة، وثقافة فرعية مهمشة خاضعة للثقافة الأولى تقليدا واحتذاء وترجمة. ويعني هذا أن ممارسة الترجمة تعبير صارخ عن صراع اللغات والثقافات والمجتمعات. فترجمة الأنساق من السياق الأجنبي نحو السياق العربي أكثر من ترجمتنا لموروثنا نحو اللغات الأجنبية. إذا، فالترجمة تعبير عن تعددية لسانية وتعددية وطنية ضمن سيمياء